تابع مستشهدا هذه المرة بالدكتور كمال الصليبي: «الجمهورية اللبنانية تجسّد الفكرة التي نادى بها الموارنة... لقد تمكّنوا دون تصوّر أو تصميم، من المحافظة على حق الإنسان في الحرية والعيش الكريم، والمساهمة في خلق وطن يضمن هذا الحق لأبنائه...».
يكمل الرجل تقليب دفتره ومواصلة استشهاده بكثير من الأعلام اللبنانيين الذين ينسبون للموارنة دورا جوهريا في قيامة لبنان الذي نعرفه. لا يفعل ذلك من باب تضخيم الأنا ولا توطئة لمطالب صغيرة مفترضة، كما بات حال الزعماء الموارنة. يقرأ ويستشهد للإعلان عن «حاجة المسيحيين اليوم، وخصوصا الموارنة الى العمل على الحفاظ على لبنان الذي يدعون، ويقر لهم الجميع، بإعطائه الكثير من تمايزه وخصوصيته».
يقول: «لا ادعي اكتشافا حين اقول ان خوف اللبنانيين الكبير هو من فتنة سنية شيعية تغيّر وجه البلد وما تبقى من تماسك وعيش مشترك فيه. هذه الفتنة هي اكبر تهديد يحدق بنا جميعا». ويكشف، هو الاستاذ الجامعي، ان «نقاشات كثيرة خيضت في اوساط كنسية مختلفة، حول دور المسيحيين وسط هذه الأزمة، وهل من الحكمة ان يتدخلوا للبحث عن مخارج لها ام عليهم ان يبقوا على مسافة من صراع لا علاقة لهم به، يتداخل فيه التاريخ بالحاضر من دون اي تبصر بالمستقبل». يضيف: «انني ربما من اقلية تعتبر ان من واجب المسيحيين اللبنانيين البحث عن سبل خلاص مشتركة. فما يصيب طائفة في لبنان يصيب جميع طوائفه. وما يهدد مجموعة تطال تداعياتُه كلَ مكونات البلد». يقول: «ان العيش المشترك بكل تفاهماته وتواطؤاته حتمية تاريخية في لبنان. وكل واقع مناقض لهذا الكلام يعني إلغاء لبنان بصورته التي تربينا عليها. ومع الأسف، أصبح العيش المشترك، الذي كان في مضمونه الأساسي يعني المسلمين والمسيحيين، له ترجمات مذهبية اي بين الطوائف نفسها سنة وشيعة ودروزا وغيرها. ولما كان هذا التعايش الرضائي والاختياري الى حد كبير سمة لبنان الأساسية ورسالته، لا بد لنا من إعادة كتابة هذه الرسالة وحمايتها وتعميمها». يبتسم رجل الدين وهو يؤكد «ان هذا الموضوع لا يمكن ان ينهض به سوى مشروع مدني وشخصيات متحررة من تكبيلات طائفية ومناطقية وحسابات صغيرة». يسارع الى التوضيح «هؤلاء موجودون وبوفرة في كل الطوائف وربما خارجها وعلى ضفافها. المهم ان يلتقوا وينسقوا ويعملوا على تحصين لبنان من فتنة تلوح عاصفة باتجاهه. وهنا على المسيحيين ان يبادروا باتجاه السنة والشيعة معا. حتى المسيحيين المنقسمين اليوم مع فريق مسلم ضد آخر عليهم ان يتوجهوا الى حلفائهم بوضوح وصراحة. وليس خطأ الجهر امام الغالبية السنية بأن انتصار المعارضة السورية في سوريا، ومن يدعمها من الدول العربية السنية، لا يعنينا اذا كانت طريقه او نتائجه فتنة سنية - شيعية في لبنان. كما ليس من الخطأ إفهام الغالبية الشيعية ان انتصار بشار الاسد، وايران وحلفائها معه، لا يعنينا اذا كانت له الطريق نفسها والنتائج عينها». ويتابع: «نحن معنيون كمسيحيين بإعادة التذكير بالتوافقات والمسلمات الوطنية وربما اعادة صوغها بروح الحداثة، وليس تحديثها شكلا او لفظا». يدرج لائحة طويلة من المفردات التي تفترض سلوكا ونهجا عمليا من «الاعتدال الى الانفتاح، المشاركة الكاملة، احترام الاختلاف، التسامح المتبادل، التواضع في النظرة الى الذات الطائفية والحزبية، اعتماد الحوار و...».
لا يعتبر ان هذه التعابير قد «وصلت الى افق مسدود في لبنان» لان برأيه «اي بديل عن هذا الطريق قد سبق واختبرناه صراعا وتصادما عسكريا، واستقواء بقوى خارجية، وموتا وقتلى ودمارا، وانتهاكا لكرامات الناس وحرياتهم وحقوقهم. هذه هي نتائج اي صراع سني - شيعي سيدفع الجميع ثمنه. فليبادر المسيحيون لينقذوا ما يمكن انقاذه».
لا يتفق المسيحيون، رجال دين او مسؤولين سياسيين على هذه المقاربة. صحيح انها تجد لها مناصرين في «8 و14 آذار»، الا انها تجد لدى الطرفين من يعارضها وبشدة، تحت شعار: «لنبتعد عن الشر» او «ماذا يمكننا ان نغيّر ونحن اقلية وسط اكثرية بدأت تصاب بالجنون». وهناك من يتخوف من ان «يكون المسيحيون وقودا في الصراع المفتوح. وفي اسوأ الحالات ان تكون الساحة المسيحية المكان البديل عن ساحات المواجهة السنية - الشيعية».
اضيفت الفتنة السنية - الشيعية الى هواجس المسيحيين المتنوعة. اضيف اليها ايضا اختلاف نظرتهم الى سبل مقاربتها وكيفية التعاطي في موضوعها. وبين النأي بالنفس او الانخراط في احد محوريها او البحث عن مخارج وطنية، ملف ارباك وخوف يضاف الى ملفات ضياع المسيحيين الكثيرة.
|
مدونة تعنى بالأحداث الفلسطينية والعربية وتطرح الرأي والرأي الآخر للمساهمة في صياغة وجهة نظر متزنة ومحايدة..
الصفحات
▼
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق