لعل الجراحة الأمنية لإنهاء إعتصامات الإخوان المسلمون جاءت متأخرة قليلاً، وفيما يفسر إنتظار إتخاذ هذا الإجراء بأن الحكومة والجيش المصري قد إستفذا كافة الفرص الدبلوماسية والحوارية، ويفسر ذلك أيضاً بأن هاتان الجهتان قد إستعرقا وقتاً طويلاً في دراسة مرحلة ما بعد فض الإعتصامات وتداعياتها التي ستكون كبيرة ومتنوعة وخطيرة.
هنالك إجماع شعبي على ضروروة دوران عجلة الدولة المصرية، وأن ما يعيق هذه العجلة هم الإخوان، والمجموعات المسلحة في سيناء، اللتان تفرضان تحديات جمى وجب البدء في معالجتها. ومن بديهي القول أن الساحة المصرية مقبلة على كثيرِ من الإضطرابات ولمدة زمنية طويلة ما لم يحدث تدخل دبلوماسي دولي حاسم.
هذا الصراع السياسي في مصر والذي تصوره حركة الإخوان على أنه صراع ديني، لم يعد صراعاً مصرياً داخلياً، حيث أن التدخلات الأمريكية والوساطات الأوروبية والعربية، من جهة، والقول الرسمي المصري أنه تم القبض على عدد من المسلحين العرب من جنسيات مختلفة في ميادين القاهرة وفي المحافظات، إضافة إلى مسلحي سيناء من شتى الدول الإسلامية، تحول هذا الصراع المصري الى جبهة سياسية دولية، ناهيك عن تأثيرات وتداعيات إسقاط حكم الإخوان في القاهرة سينسحب على عدد من الدول المحكومة "إسلامياً" سواء تونس، ليبيا التي زودت القاهرة بمعلومات هامة عن الإخوان وتحركهم ما بين ليبيا ومصر إبان حكم مرسي، ودول أخرى مرشحة.
يقول الكثيرون جداً، ويوافقون على أن الإخوان فشلوا في حكم مصر خلال سنة، ليس فقط بسبب الإرث الهائل المتروك من عهد الرئيس مبارك، بل لمحاولتهم الإستحواذ الشمولي على الدولة المصرية والباسها دشداشةً ولحية وعمامة، ويوافقون أيضاً أن الرئيس المعزول مرسي قد أتى الى الحكم عبر صندوق الإنتخابات وبالتالي فإن المغادرة لكرسي الرئاسة يجب أن يكون عبر هذا الصندوق بشكل منطقي، وبنفس الوقت، هناك من يقول، وأنا منهم أن الرئيس مرسي حصل على ثلاثة عشرة مليون صوت، ولكن الذين خرجوا ضده في ميادين القاهرة، ولا أقول ثلاثون مليون، ولكن على أقل الأقل هم أكثر بكثير من الذين خرجوا ودفعوا الجيش للإطاحة بالرئيس حسني مبارك، وأقصد أن كلا التفويضين لإزاحة كلا الرئيسن كان من الشارع، والشارع يمثل صندوق الإنتخاب بصورة منطقية مع بعض الترتيبات الإدارية. ورأي آخر يقول أنه كان بإمكان الجيش إمهال الرئيس مرسي ليعلن الأخير بنفسه عن إنتخابات رئاسية مبكرة، إلا أن وزير الدفاع السيسي قال أن الرئيس مرسي قد رفض عدة أفكار بهذا الشأن من السيسي نفسه.
لقد وصلت الأمور في مصر الى منعطف خطير وطويل الأمد، فالإخوان لن، والآن بعد مجريات فض الإعتصامات، لن يسلموا أبداً بحقيقة غياب حكمهم في الغياهب، وسوف يجترأون جزءاً من تجربة الإسلاميين في الجزائر وسيقومون بأعمال تخريبية، وعسكرية بشكل متواصل، ستنغص حياة المصرين وتنهش صورة الجيش. وسوف نشهد قريباً إشتداد جبهة سيناء ضد مواقع الجيش وبعض الصواريخ الإستعراضية بإتجاه إيلات.
لا أحد يعرف ما ستؤول اليه نهاية اليوم الأول، ولكن مؤكد سنسمع بيانات ومواقف عربية ودولية كلها ستدعو لضبط النفس، وغالبها ستطالب الجيش تحديداً بذلك. المؤكد الوحيد في خضم هذه الإشتباكات هو أن هذه العملية الأمنية التي كان لا بد منها قد بدأت اليوم، ولكن فذلك ليس فريبا،فهذه كرة ثلج ملتهبة تتدحرج في وادِ جد سحيق وستسحق الكثير مما في طريقها، وستخرج مصر من هذه الأزمة مثخنة بالجراح.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق