الصفحات

الأحد، 11 أغسطس 2013

المالكي ... وبديل «ما ننطيها»! مشرق عباس



كان رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي يساير أهازيج
 شيوخ عشائر اجتمعوا حوله عام 2009 مبشرين بولادة «قائد
» جديد، فقال لهم: «بعد ما ننطيها»،
 بمعنى «إننا لن نعطي الحكم بعد الآن».

«ما ننطيها» تلك سرت منذ ذلك الحين كالنار في الهشيم، واستُخدمت في حملات تهكمية كبيرة لم تتوقف حتى اليوم.
والكلمة فُهمت باتجاهات مختلفة، فالسنة العراقيون فهموها على أنها إشارة بدلالة طائفية، وأن الشيعة يتعاملون مع الحكم كحصة تاريخية، لكن شيعة العراق أنفسهم انقسموا حولها، فالأحزاب الشيعية فهمتها كإشارة إلى استئثار «حزب الدعوة» بالحكم وإقصاء الآخرين، بل إن أعضاء في «حزب الدعوة» نفسه ترجموا الكلمة إلى رغبة المالكي في الاستئثار برئاسة الحكومة وإقصاء زعامات الحزب الأخرى.
ألقى المالكي في تصريحات أخيراً كل تبعات الفشل الأمني والاقتصادي والسياسي في العراق، على أكتاف نوابه ووزرائه والكتل السياسية الأخرى، واشتكى من عراقيل توضع أمام حكومته تمنعها من إنجاز أي تقدم ملموس، حتى لا يسجل ذلك التقدم باسمه انتخابياً.
ألقى التهمة بقوة على «المحاصصة» في حكومته بالتسبب بالفشل الاقتصادي، وعلى مؤامرات خارجية بتردي الأمن.
والحقيقة أن كل تلك الاتهامات لها مسوغات واقعية، ولكن هل كان الوضع العراقي سيكون مختلفاً لو أن القوى السياسية اختارت تحميل المالكي مسؤولية كاملة ولم تشاركه في اختيار وزراء حكومته؟
أغلب الظن أن الوضع لن يختلف كثيراً، فالمشكلة في العراق مؤسساتية وهيكلية ودستورية أكثر منها شخصية، والمالكي بمجرد قبوله رئاسة الحكومة لدورة ثانية يكون قد أقر ضمناً بتحمل مسؤولية حكومته، وخياراته في ذلك الوقت كخياراته اليوم، تتعلق بقبول ترؤس الحكومة بالمواصفات التي أنشئت بها أو الاعتذار.
المالكي قوي وكفوء ومخلص، تلك صفات شخصية مناسبة لمنصب رئيس حكومة، لكنها من وجهة نظر معارضيه ليست في مقدمة الأولويات في بلد يقف على سفح انهيارات إقليمية كبرى، ويتمزق بفعل انقسامات سياسية واجتماعية حادة.
الأكثر مقبولية -قبل الأكثر كفاءة- هو رئيس الحكومة المتوقع، فالمعارضون يعتقدون أن نزعة المالكي إلى التمسك بالسلطة، تبرر عدم تعاونهم معه وشكوكهم فيه، ويقرون ضمناً بعدم قدرتهم على التفاعل مع حكومته من داخلها ومن خارجها أيضاً، ويرفعون شعار «ما ننطيها» كإشارة إلى المسار الخطير الذي تمضي إليه البلاد.
لكن القوى التي اجتمعت عام 2012 في أربيل والنجف وقررت المطالبة بإقالة المالكي وجمعت الأصوات لهذا الغرض، فشلت في مساعيها ذلك الوقت لأنها لم تفكر بمرحلة ما بعد المالكي، وهي لم تحسم مرشحاً بديلاً، ولم تفتح حتى أفقاً معلوماً حول الاتفاق على البديل.
الفشل في اختيار بديل للمالكي لا يعود إلى عدم وجود شخصيات يمكن أن تحتل هذا المنصب، بل إلى أن معادلات التوازن الداخلية والخارجية التي أنتجت المالكي تغيرت، ولكن من دون أن تخلّف معادلات جديدة.
وأولى النتائج التي فرضها هذا التغير عدمُ قدرة القوى الشيعية الرئيسية الثلاث، «الدعوة» والصدر والحكيم، على تمـرير أي مرشـح بديل من داخلها يحقق معادلة «المقبولية»، بل إن أي حزب سياسي ليس بإمكانه فعل ذلك، ما يرجح الذهاب إلى شخصيات مستقلة بلا ثقل حزبي، تكون بمثابة الحل الأخير الممكن في مرحلة ما بعد المالكي.
لكن رئيس حكومة عراقي بلا حزب وميليشيا وعلاقات وثيقة مع إيران والولايات المتحدة، لن يحظى بفرصة أفضل لتشكيل حكومته من التي منحت للمالكي نفسه، كما أنه لن يتمكن في الغالب من مقاومة رغبة الأحزاب في اقتسام أموال الدولة وإمكاناتها اقتسام الغرماء.
ترفض القوى التي تصطف اليوم من أجل إنهاء مرحلة هيمنة المالكي السياسية، ومنها معظم القوى الكردية والسنية، بالإضافة إلى تيار الصدر و «المجلس الإسلامي الاعلى»، فهْمَ جوهر فكرة «ما ننطيها»، ولذلك تتجنب مواجهة أزمات الحكم في العراق، وهي في غالبها تتعلق بغياب القانون الحاكم.
تتغاضى تلك القوى عن الإقرار بأن مشكلة تحكّم المالكي بمفاتـيح السـلطة في صميمها مشكلة برلمانية وليست نتاج حزب قوي أو شخصية سلطوية.
فالبرلمان العراقي فشل طوال السنوات السابقة في توضيح علاقته على الأقل بالسلطة التنفيذية، قبل أن يتوجه إلى تنظيم عمل تلك السلطة نفسها، وهذا الفشل مرده الأساس عجز عن تفسير نظرية الحكم في ضوء النظام البرلماني، ما ترك الأفق مفتوحاً لـ «شخصنة» و «حزبنة» الأزمات.
قبل نهاية العام المنصرم أقر البرلمان قانوناً يحدد ولاية رئيس الوزراء بولايتين اثنتين، وأصر على تمرير هذا القانون على رغم أنه لا ينسجم مع طبيعة النظام البرلماني.
والانشغال بهذا القانون حرّف مجمل الرؤية السياسية عن كون البرلمان نفـسه هو اللاعب الأساسي في الحياة الـسيـاسيـة، وأن بـإمكانـه لو شـاء إعادة صوغ قواعد اللعبة داخل سـقف الدسـتور.
هل يمكن البرلمان العراقي مثلاً أن يقر بنفسه النظام الداخلي للحكومة لينظم آليات اتخاذ القرار؟ هل يمكنه إجبار رئيس الحكومة وحكومته عبر قوانين ملزمة، على الحضور شهرياً تحت قبته في جلسات استماع؟ هل يستطيع أن يصدر قانوناً يمنع تكليف مسؤول بالوكالة لأكثر من ثلاثة شهور؟ هل يمكنه تشريع قانون ينظم العلاقة بين القضاء والسلطة التنفيذية؟ هل يتمكن من تمرير لائحة من القوانين تمنع تكليف رئيس حكومة في المستقبل من دون أن تكون حقائب وزارته مكتملة؟
لا يمكن الجزم بقدرة البرلمان على اتخاذ خطوات جريئة لتنظيم العلاقة القانونية المأزومة مع الحكومة، فالأحزاب ما زالت تفسر أزمة العراق باعتبارها أزمة المالكي، والأخير ما زال يرى أنه ضحية تآمر الآخرين على حكمه، وكل الأطراف تتجنب الخوض في آليات عملية وقانونية لحل الأزمة.
«ما ننطيها» ليست كلمة المالكي وحده، بل يتّبع كل الأطراف السياسية الأخرى المنهج نفسه في النظر إلى حصصها في الحكم والمال العراقي اليوم وغداً.
وبديل «ما ننطيها» لن يكون زعيماً توافقياً لأحزاب من الصعب أن تتوافق، وهو بالضرورة لن يكون مرشحاً عن أحد الأحزاب المعروفة، وبالضرورة لن يكون البديل «هو المالكي نفسه». فالبديل قوانين تقر اليوم وقبل أي انتخابات مقبلة تنظيم العلاقة والصلاحيات بين السلطات وداخل كل سلطة، وتنظم عمل الأحزاب وتشرعن حدودها، وتكرس آليات انتخابات وفية لخيارات الناخب، وتعيد الاعتبار للدولة التي هشَّمها تدافُعُ المصالح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق