لم يكن مشهد فنانين مصريين مشاركين في تظاهرات "30 يونيو" غريباً. هؤلاء اعتادوا مواجهة الوحش المقيم في تطرّف إسلاميّ، أكثر من مواجهتهم التنانين المرتدية زيّاً عسكرياً. السلطة السياسية الحاكمة سابقاً أتقنت ترويضهم. قليلون هم الذين انتفضوا على كل شيء عنيف ودموي وقامع. معظم هؤلاء وجد في التقرّب من السلطة المباركية حماية لهم من "طيور الظلام" وأشباهها. أثارت هذه المشاركة ردود فعل إيجابية لدى معنيين ومهتمّين، وجدوا فيها انسجاماً وتاريخاً من المواجهة الفعلية مع متزمّتين يُكفّرون ويلعنون ويعتدون على أبسط أمور الحياة اليومية. مشاركتهم في تلك التظاهرة أثارت حماسة من تابع سياقاً تاريخياً من الصراع بين طرفين نقيضين.
بدورها، لم تكن المشاركة الثانية لهؤلاء الفنانين أنفسهم في تظاهرة "دعم" القوات المسلّحة في حربها السياسية ضد "الإخوان المسلمين" مفاجئة هي أيضاً. مجلات فنية مصرية عنونت الخبر بما يُمكنه أن يكون إضافة سلبية إلى سلوك هؤلاء: "الفنانون يفوّضون الجيش لمواجهة الإرهاب"، أو "الفنانون يفوّضون القوات المسلّحة في مواجهة الإرهاب". ليست "أل" التعريف عبثية أو خطأ مطبعياً. هناك رغبة لاواعية في ممارسة شمولية لا تختلف عن شموليات الإخوان والقوات المسلّحة. هناك رغبة في القول إن "الـ" فنانين جميعهم صفٌّ واحدٌ في مسألتين خطرتين للغاية: تفويض العسكر في مهمّة مُطالب دائماً بتنفيذها وهي مواجهة الإرهاب، أياً كان شكله أو مصدره أو موقعه. هناك التفويض أولاً، وهناك تفويض العسكر ثانياً. تعبير "تفويض" يُشبه "التكليف الشرعي"، أو "الأمر لي"، أو "نفّذ ولا تعترض". هذا يعني تحويل الفنانين "جميعهم" إلى قطيع ينصاع لأوامر عليا يستحيل على أيّ كان رفض تنفيذها. هذا يعني جعل الفنانين خَدَماً لقوات مسلّحة اعتادت، منذ انقلاب "الضبّاط الأحرار" على الحكم الملكي، ترويض غالبيتهم الساحقة بحجج كثيرة، ولأسباب أكثر. هذا يعني إزالة كل حسّ متمرّد وثوري حقيقي، إن وُجد، من كل فنان يُفترض به أن يمتلك هذا النوع من الإحساس المؤدّي إلى مزيد من الإبداع.
انصاع فنانون مصريون لرغبة القيادة العليا للقوات المسلّحة المصرية. هذه القيادة تريد إخضاع الجميع لسياستها الانقلابية. تريد غطاء شرعياً وشعبياً إضافياً، عثرت عليه في إصدار أمر التفويض للفنانين المستعدّين، أصلاً، لتفويض كهذا لا يختلف عن "التكاليف الشرعية" لمتزمّتين وأصوليين وسلفيين. بهذا، يُمكن القول إن "طيور الظلام" لم تعد صفة أصوليين وسلفيين وجهاديين، ولم تعد سمة "زوّار الليل" (رجال الأمن والمباحث)، إذ باتت صورة فنانين ارتضوا، بحجّة رفض حكم "الإخوان المسلمين"، أن يتحوّلوا إلى "إخوان" أو إلى "رجال أمن ومباحث"، بحجّة "مواجهة الإرهاب"، متناسين أن مسؤوليتهم الأخلاقية في مواجهة كهذه تكمن في إنتاجهم الفنيّ، أي في موقعهم الأساسي، وساحتهم الإبداعية الوحيدة لـ"معاركهم" ضد أصناف الظلامية كلّها، إخوانية أو سلفية أو عسكرية أو سلطة سياسية قامعة.
المشهد قاتم. إنها طامة كبرى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق