الصفحات

الجمعة، 16 أغسطس 2013

«الدولة» غير متاحة حسام عيتاني


مذهلة تلك الكراهية التي عبرت عنها وسائل الإعلام المصرية ومواقع التواصل الاجتماعي لجماعة «الإخوان المسلمين» يوم فض الاعتصامين في منطقتي رابعة العدوية والنهضة.
اتفقت الأقنية التلفزيونية الرسمية والخاصة على اعتبار المعتصمين مجموعة من القتلة الإرهابيين الذين لا مجال للتعامل معهم بغير القوة. وطغت لغة الشماتة والتشفي بقتلاهم الذين بلغت أعدادهم المئات في غضون ساعات قليلة من الصدامات مع قوات الأمن. ومُنِع «الإخوان» من الرد على الحملة الإعلامية التي استهدفتهم بسبب إقفال محطاتهم بعد عزل الرئيس محمد مرسي في الثالث من تموز (يوليو).
سيقول قائل إن «الإخوان» جنوا على أنفسهم بلجوئهم إلى التحريض على العنف فور عزل مرسي ووصل الأمر ببعضهم إلى تبني الاعتداءات على قوات الأمن في سيناء، وأن الجيش حصل على التفويض الشعبي لمكافحة الإرهاب في تظاهرات مليونية نزلت إلى الشوارع بناء لدعوة من وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي. ليس في هذا الكلام أي تعاطف مع تجربة الإسلاميين في الحكم ولا أي تبرير لفشلهم المدوي في السياسة العامة.

لكن الرد المذكور يضع الأزمة المصرية في إطار التساؤل عن معنى الدولة التي يراد إقامتها بعد «ثورتين» على نظامين، استبدادي غير ديني وديني إقصائي. وفيما تدور الاشتباكات في الشوارع، لا يبدو أن مضمون الدولة التي حلم بها المشاركون في ثورة 25 يناير يقترب من التحقق. بل العكس هو الصواب.
متابعة المؤتمر الصحافي لوزير الداخلية محمد إبراهيم، ببلادة إجاباته وتجنبه معالجة الأسئلة الجدية القليلة التي طرحت، مقابل استغراقه في مونولوغ معد مسبقاً يتلاءم مع سيل التزلف من صحافيين يتقنون، على ما يبدو، إسماع الوزير ما يود سماعه، كلها أمور تقول إن مخزن الدولة التسلطية الناصرية-المباركية ما زال مليئاً.
كانت مضحكة-مبكية تلك البساطة التي سكنت عقول أعضاء «تمرد» وحملتها على الاعتقاد للحظة واحدة أن الجيش المصري سيقلد نظيره البرتغالي صاحب «ثورة القرنفل» وسيسلم السلطة إلى المعارضة المدنية. وفي مقابل من ظن في السيسي رغبة في السير على خطى نقباء الجيش البرتغالي، خاب ظنه ليبدو جلياً منذ إصداره بيانه التحذيري إلى محمد مرسي أنه يرغب في تكرار تجربة جمال عبد الناصر وتجنب أخطاء المشير محمد طنطاوي ومجلسه العسكري. ومحبط أشد الإحباط عدم التقاط الشارع المصري الإشارة الواضحة التي أرسلها «الإخوان» عن استيعابهم صدمة عزل مرسي واستعدادهم للتفاوض أو للمواجهة بذات القدر. لقد أعفى تدخل الجيش القوى المدنية المصرية من عناء المضي في ثورتها الثانية إلى نهايتها وبالتالي تحمل مسؤولية إدارة الدولة والبلاد والإصلاحات الضرورية.
يسهل الحديث عن «العودة إلى ما قبل 25 يناير» واستئناف الدولة التسلطية سلوكها المعهود. لكن نظرة ثانية تعطي انطباعاً أن الدولة، بمفهومها الواسع، وليس التسلطي فقط، تسير على طريق التفكك والاضمحلال جراء الإصرار على نفخ الروح في جسد غادرته الحياة منذ زمن. والقول إن السيسي أو غيره من ضباط الجيش قادر على متابعة مسيرة الثورتين المصادرتين والتمهيد لعصر ازدهار يقوم على إحيائية ناصرية ما، تنفيه طبيعة المؤسسات العسكرية في العالم الثالث، الغارقة في السياسة و «البيزنيس» وما بينهما من سلطة. والمؤسسة المصرية ليست استثناء.

بهذا المعنى، يكون أقرب إلى الحس السليم انتظار ترسيخ الجيش وحلفائه سلطتهم، مستفيدين في الدرجة الأولى من العداء الشعبي الذي جلبه الإسلاميون على أنفسهم، وبواسطة حملات الإعلام الموجه إلى إقناع المواطنين بفضائل الأمن والأمان حتى لو جاءا من ثكنات الجيش، مقابل الفوضى الراهنة. لكن كل ذلك يقول إن «الدولة» بمعناها الحديث مشروع مؤجل إلى موعد ثورة جديدة وبعيدة
.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق