العاصمة الثقافية للاتحاد الأوروبي
هذه السنة. تذكّر مثقفون ألبير كامو في الولايات المتحدة، التشيلي، الهند، الأردن وإسرائيل،
لكن البلدين الأبوين صمتا وتجاهلا المناسبة التي احتفلت بها الصحافة الفرنسية كثيراً.
وُلد كامو في موندوفي، الجزائر، في 7 تشرين
الثاني (نوفمبر) 1913 لأب قتل في معركة مارن في 1914 وأم أميّة شبه صمّاء عملت في تنظيف
البيوت. درس في جامعة الجزائر، وعمل صحافياً، ثم انضمّ الى المقاومة الفرنسية في الحرب
العالمية الثانية. تشوّشت رؤياه حين انتقد الاستعمار في الجزائر لكنه دعا الى المصالحة
مع فرنسا بدلاً من الاستقلال عنها. رأى المؤرّخ الفرنسي بنجامين ستورا موقفه متناقضاً،
مزدوجاً يمكن ربطه بالهامشي والغريب. إدوارد سعيد قال في 1993 إن عمله ينبع من «حساسية
استعماريّة عاجزة»، وإن أسلوبه البسيط والتغطية غير المنمّقة للأوضاع الاجتماعية يخفيان
تناقضات لا يمكن حلّها بجعل مشاعر الولاء للجزائر الفرنسية أمثولة أخلاقية عن الوضع
البشري كما فعل نقاد.
كان التوأم كاترين وجان في الرابعة عشرة
حين استعدّا لركوب القطار مع والديهما الى باريس في 2 كانون الثاني (يناير) 1960. عرض
الصديق الناشر ميشال غاليمار استخدام سيّارته السريعة، الثمينة «فاسيل فيغا» على كامو
فودّع أسرته في المحطّة وركب السيّارة ليلحق بها. لم يفعل. توفّي بعد يومين في حادث
على الطريق، وقال الميكانيكي الذي أصلح السيّارة إنها تابوت بعجلات. كان في السادسة
والأربعين، وأنعش المؤمنين بنظريّات المؤامرة. هل قتلت الاستخبارات السوفياتية الكاتب
المعارض للشيوعيّة التي سحرت مفكرين بارزين كثراً يومها؟
كاترين في الثامنة والستين الآن، وأصدرت
كتاباً في المناسبة. «العالم للمشاركة» الصادر عن غاليمار يضمّ صوراً ورسوماً ورسائل
وبرقيّات ومقالات ومقاطع من كتبه. في حديث الى «غارديان» البريطانية، ذكرت أن بلدات
وقرى فرنسية صغيرة عدّة تتذكّر المئوية لأن كامو لا يزال مقروءاً. يمسّ القرّاء كبشر،
قالت، ربما لأن الرجل موجود في الكتب. سأل الأسئلة نفسها، وواجه العذابات والآلام والهموم
ذاتها. تتلقّى مئات الرسائل عنه، وترى الامتناع الرسمي عن الاحتفال بمئويته طبيعيّاً
لأنه تبادل النفور مع السلطة. قال دائماً إنه مع الذين يعانون من التاريخ لا الذين
يصنعونه، ولا يزال غريباً في فرنسا بمعنى ما. والجزائر: «لم يكن عنصرياً. اهتمّ بمصير
المسلمين في الجزائر تماماً كاهتمامه بمصير الفرنسيين هنا. في أي حال، برّرت الأحداث
في الجزائر منذ الاستقلال موقفه»!
من مقالات الكتاب «معركة» التي مدحت «بطولة»
الإنكليز في الحرب العالمية الثانية: «لا نستطيع أن ننسى أن إنكليزياً واحداً لم يقبل
فكرة الاستسلام (للنازيين) لحظة واحدة». أحبّ شكسبير الذي ترجم له «عطيل» الى الفرنسية،
وأوسكار وايلد وغراهام غرين ووليم بليك وآرثر كوستلر. امتهن الكتابة بعد العمل صحافياً
والانضمام الى المقاومة، وترتكز شهرته أساساً على «الغريب» و «الطاعون» و «السقوط»
بين 1942 و1956. تزوّج الممثلة سيمون إييه في 1934 ثم عالمة الرياضيّات وعازفة البيانو
فرانسين فور التي أنجبت كاترين وجان. «كان بالغ الوسامة» تقول الابنة «ولم يعاقبنا
بتاتاً حين أخطأنا. سألنا دائماً عن سبب سلوكنا وبم كنا نفكر. كان ذلك معقداً لطفل،
وكانت ضربة خفيفة أسهل علينا، لكن طريقته اختلفت. ما يبقى منه عندي حبّه الحياة والآخرين
(...) وأعرف أن ما كتبه لا يزال يعنينا ويخاطبنا اليوم». عزا كامو كل ما يعرفه عن الأخلاق
الى المسرح وكرة القدم، وكوفئ بنوبل في 1957 حين كان في الثالثة والأربعين، ما جعله
ثاني أصغر كاتب ينال الجائزة بعد الإنكليزي رديارد كيبلنغ.
نظرة على الأفق
> تركب بطلة «آخر الهاربين» الباخرة
من بريستول الى أوهايو وهي تحمل كتباً لجين أوستن وتشارلز ديكنز، أغطية للسرير وقلباً
محطّماً. بعد فسخ خطبتها، تقرّر أونور برايت مرافقة شقيقتها غريس المسافرة الى أميركا
للزواج من خطيبها أدم كوكس. لكن غريس ترحل خلال الرحلة بعد إصابتها بالحمى الصفراء،
ويرفض جسد أونور البحر. تفرغ معدتها وتزيدها تعاسةً، فينصحها بحّار بالاتجاه الى مقدّم
السفينة وتركيز نظرها على نقطة ساكنة. تهرب الشابة بحثاً عن السكينة، لكن هذه تعصى
عليها في بلادها خلفها والعالم الجديد أمامها.
هي أولى الروايات التي تدور في أميركا لتريسي
شيفالير التي غادرت الولايات المتحدة وهي في الثانية والعشرين لتستقر في إنكلترا. ترمي
بطلتها الضائعة في فضاء يمور بالانقسام إزاء العبودية والتحرير والتطور الصناعي منتصف
القرن التاسع عشر. تعيش أونور أولاً في محل لبيع القبعات تملكه بِل ميلز القوية، اللطيفة،
المنتمية الى حركة «أندرغراوند ريلرود» التي تقدّم الملاذ والطعام للعبيد الهاربين
الى كندا. تنتقل الى مستوطنة لجماعة الكويكر الرافضة العنف، التي تنتمي أسرتها إليها،
حيث عاش آدم، خطيب غريس، وأبـيغيل، أرملة شقيـقه. تحس بالغربة في أوهايو الخاضعة لحال
تحوّل دائم بين الهاربين شمالاً والرواد المتـجـهيـن غرباً. تشتاق الى دورست، وتقاوم
أمـيركا بناسـها الذين يـفتقرون الى فـن الحديث، أشـجـارها التي تغلق علـيهـا، طقـسـها
المـتـقلّب بيـن حـدّيـن، وطعامها المنفر. تفكر بالاختلاف العدائي حين ترى جـسـر خشـب
مـغطـى وتقـارنه بجـسـور إنكلتـرا الـحـديد المـقوّسـة. تنضـم الى نـسـاء الكويكر المحافظات
على تقليد صنع أغطية السرير من الرقع، وتكره طريقتهن المبسّطة، الهشّة. في رسالة الى
صديقة في الوطن تحتقر أسلوب أبيغيل في الغرز: «لا أعتقد أن إحدانا لجأت الى هذه التقنية
منذ كنا فتاتين».
تعجز أونور عن التكيّف أيضاً بعد زواجها
من مزارع شاب لا تعرفه جيداً، يعيش مع والدته وشقيقته. ترى نفسها ضحية مع أن الأخريات
دونها، وتشكو اضطرارها الى حلب الماشية بيديها الصغيرتين وذراعيها الضعيفتين اللتين
تقارنهما بأذرع المرأتين الكثيفة كقضبان السياج. تعرّض الأسرة للخطر حين تتحدّى منع
مساعدة العبيد وتنشط في حركة «أندرغراند ريلرود». وتغلب الجاذبية الحيوانية المبادئ
حين تبادل دونوفان، صيّاد العبيد وشقيق بِل، الحب وتقرّر أنها تحس بـ «النور» داخله.
تعلّمت شيفالير (51 عاماً) صنع أغطية السرير
بالرقع خلال بحثها قبل الكتابة، وتتوقف طويلاً عند تفاصيله. تسجّلت صغيرةً في مخيّمات
صيفية للكويكر، لكنها لم تنضم الى الطائفة كشقيقتها وزوجة والدها لأنها تزوّجت يهودياً.
تحضر اجتماعاتها من حين الى آخر بحثاً عن السكينة، وتقول إن بعض المنتمين الى الطائفة
زمن الرواية اقتنى العبيد، وكان في قاعة الاجتماعات مقعد خُصّص لـ «الزنوج».
كاتب حقيقي
> في كل منا قصة واحدة على الأقل، نقول،
ولئن كانت الباكورة سهلة على نديفة محمد، صعبت الرواية الثانية حتى تساءلت عما إذا
كانت كاتبة حقاً. دوّنت الكاتبة الصومالية- البريطانية رحلة والدها في أفريقيا والشرق
الأوسط في «صبيّ المامبا الأسود» ونالت جائزة بيتي تراسك. أحبطها مزج الواقع الأفريقي
بالبناء الفني في «بستان الأرواح الضائعة»، وقلقت خريجة أكسفورد على مستقبلها. ورود
اسمها على لائحة الكتّاب الشباب الواعدين منحها زخماً. تتناول في الرواية الصادرة عن
دار سايمن وشوستر ثلاثة أجيال من النساء خلال الاضطرابات في الصومال التي تحولت ّحرباً
أهليّة. كوثر الخمسينيّة التي أجهضت مراراً وفقدت زوجها وابنتها، وتمنّت لو استطاعت
فرش السماء وقطعها وخياطتها لتصنع لِحافاً يغطّي قبرها في الليالي المظلمة الباردة.
فِلسان الجندية الشابّة الطموحة التي تترك مقديشو الى هرغيسا (مسقط رأس الكاتبة) لقمع
التمرّد فيها. وديكو ابنة التاسعة الحزينة التي لم تعرف والدها قطّ وتركتها والدتها
في مخيّم اللاجئين حيث فقدت صديقتها الوحيدة بعد إصابتها بالكوليرا.
توعد ديكو بحذاء إذا اشتركت في الرقص لدى
استقبال الجنرال الحاكم، لكنها ترتبك على المسرح وتُضرَب. كانت غادرت المخيّم لتوّها
وأصيبت بالرهبة على الخشبة. تسارع كوثر لنجدتها فتعتقلها فِلسان وتضربها حتى تعجز عن
المشي. تفخر الجندية بخدمتها سبعة أعوام في ثالث أكبر جيش في أفريقيا، وتتوقع الاحترام
لكنها تشكو من معاملتها كسكرتيرة. تذلّ فلسان كوثر التي تتحمّل خسارتها ووحدتها برفعة
آسرة، لكنها لا تلبث أن تشكّ في الديكتاتور والفظائع التي يفرض عليها الاشتراك فيها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق