بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 30 أغسطس 2013

الطاعون والمنصور في السودان د. عبدالوهاب الأفندي



(1) كشفت كوارث السيول والأمطار التي اجتاحت مناطق عدة في السودانخلال الاسابيع الماضية عن أمور هامة، ليس أدناها معادن الناس، وقدرات الدولة وطريقة إدارتها. فمن جهة، هناك شباب وكهول ورجال ونساء خفوا سراعاً لإعانة المنكوبين؛ ومن جهة أخرى، هناك دولة وأجهزة إعلامها وإداراتها تجاهلت المصيبة أولاً ثم سعت للتقليل من شأنها ثانياً، وتباطأت في كل ذلك في التحرك لمواجهة تبعات الأحداث. وبعد كل هذا لم تكتف بالتثاقل، وإنما باردت بعض من بادر وبكر في المساعدة بالمضايقة ووضع العراقيل في طريقه بذرائع مخجلة.
(2)

كان من أعجب ما رأيت خلال هذه الأزمة مشهد بعض المسؤولين عن ‘الشؤون الإنسانية’ وهم يكثرون من الحديث على أجهزة الإعلام، ولكن ليس لإبانة حجم الكارثة ومناشدة الناس لمد يد العون، وإنما للتهوين من المصاب، وتبرير التقصير، إن لم يكن الدعوة إلى مزيد منه بحجة أن الأمور أصبحت ‘تحت السيطرة’. والمعهود أن مسؤولي الملف الإنساني يسعون في العادة إلى وصف الكارثة كما هي، إن لم يكن بشيء من المبالغة لتحفيز أهل المروءة على العطاء، ويتركون مهمة التهوين منها لغيرهم.

(3)

من دلائل عظم مصيبتنا أنني لا أذكر الآن كم مرة خلال الأعوام الماضية اضطررت فيها للاستشهاد بحديث المرأة التي دخلت النار بسبب قطة لم تطعمها ولم تطلق سراحها حتى تتدبر أمرها بنفسها. وكانت المناسبة دائماً التذكير بأن منع القوت عن البشر أعظم عند الله من تجويع هرة. فلماذا يصر البعض على عرقلة وصول الإغاثة العاجلة إلى من يستحقها؟ ولماذا يصر آخرون على اصحطاب كاميرات التلفزة حتى تسجل القليل الذي يقدمونه (وهو في الغالب ليس من مالهم وإنما من المال العام أو من عطاء الآخرين)، من باب المن والأذى الذي ذم المولى تعالى من يجترحه؟

(4)

في هذا المقام، وهو مقام المسارعة بالعطاء بدون تأخير أو أعذار سفسطائية، يختار البعض الحديث عن مثالب منظمات الإغاثة ونواقصها، ويكثر من التشكيك في نوايا المسارعين في الخيرات وهو قاعد مع الخوالف. ولو أن كل جهة رسمية وشعبية أدت واجبها كما ينبغي، لما كانت هناك حاجة لمنظمات إغاثة خارجية. ولو أن الدولة انفقت المبالغ الطائلة التي رصدتها لعرقلة نشاط منظمات الإغاثة على غوث المحتاجين لانصرفت منظمات الإغاثة إلى أماكن أخرى، فما أكثر الأماكن المنكوبة وأصحاب الحاجات العاجلة. فالمنظمات لا تسارع إلى المناطق الآمنة التي تستمتع بالرخاء ورغد العيش، وإنما إلى أماكن النوازل والمصائب والرزايا. وللأسف فإن المنظمات الإغاثية لا تعدم وجهة لكثرة الاحتياج إليها. فهناك في سوريا وغزة ونيجيريا والنيجر وتشاد والصومال محصورون كثر. ومن المضحك أن نسمع من يعتقد أنها تفتعل الأزمات وتجهد إلى المسارعة إلى أماكن تنتفي فيها إليها الحاجة.

(5)

نحن هنا أمام إشكالية مزدوجة: نظام يتسبب في الأزمات إما عمداً (كما هو شأن الأزمة الإنسانية في دارفور) أو بالتقصير والإهمال (كما هو حال ضحايا السيول) ولكنه لا يقصر فقط في إغاثة الملهوف من ضحايا هذه الكوارث التي تسبب فيها، بل يعترض طريق من يتقدم للإغاثة بدعاوى ما أنزل الله بها من سلطان. وقد كان الأحرى ألا يتسبب في الكوارث ابتداءً. أما وقد اجترحها ولم يكن راغباً أو قادراً على التصدي لآثارها، فقد كان أضعف الإيمان ألا يعترض سبيل القادرين والراغبين.

(6)

الأسوأ من كل هذا هو إعطاء تبرير يتدثر بالدين حيناً والوطنية أحياناً. فمنظمات الإغاثة عند هؤلاء كافرة امبريالية كنسية تهدد سيادة البلاد وتهدف للتجسس وتخدم أجندات سياسية أجنبية. وكثير من هذا من خطل القول، ولكن حتى لو صح فإن المسؤولية تقع على من أحوج الناس إلى الإغاثة وقعد عن إعانتهم حتى جاءت الكنائس والامبريالية لتقوم عنه بالواجب. ونكرر لو أن الحكومة أنفقت بعض ما تدفعه من رشاوى سياسية وموازنات الأمنية على ضحايا الكوارث لكفت ووفت وتركت منظمات الإغاثة في حيرة من أمرها.

(7)

في واقعة مشهورة تواترت رواياتها أن الخليفة المنصور خطب يوماً فقال للناس: احمدوا الله على ما وهبكم، فمنذ أن وليت عليكم صرف الله عنكم الطاعون. فصاح أحد الحضور معلقاً: إن الله أكرم من أن يجمع علينا المنصور والطاعون. ولكن يبدو أن قدرنا في السودان ليس فقط أن نرزأ بالمنصور والطاعون معاً، بل أن يكون منصورنا هو عينه المتسبب في الطاعون، ثم لا يكتفي بذلك بل يحجر على الطبيب المداوي. نسأل الله قرب الفرج من الطاعونين.

النظام البرلماني جزء من الحل في المنطقة العربية عبد العلي حامي الدين



كشفت التحولات الجارية في المنطقة العربية وخاصة في ما بات يطلق عليه بدول الربيع العربي، أن البناء الديموقراطي هو مسلسل من التغييرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي تأخذ طابعا متواصلا في الزمان، وليست فقط إسقاط رأس السلطة التنفيذية في النظام..
سواء في الدول التي عرفت مسارا ثوريا مثل تونس ومصر وليبيا، أو في الدول التي عرفت مسارا إصلاحيا هادئا مثل المغرب فإن الخبرة العملية أثبتت أن العملية الديموقراطية عملية تراكمية مرتبطة بالممارسة وبنضج الفاعلين واستعدادهم لتقديم التنازلات لبعضهم البعض، أكثر منها وصفة نظرية جاهزة.
إن الارتدادات الحاصلة اليوم، كشفت عن فقر كبير في الثقافة الديموقراطية لدى العديد من النخب السياسية التي فشلت في ساحة التنافس السياسي مع الإسلاميين وهو ما دفعها إلى التحالف مع العسكر وتوريطه في المواجهة مع التيار الإسلامي.
وفي المغرب هناك محاولات حثيثة للعديد من الفاعلين السياسيين وبعض الأقلام الصحافية التي لها ارتباطات وثيقة مع بعض مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي، إلى جر المؤسسة الملكية إلى مواجهة حزب العدالة والتنمية وافتعال التوتر معها، وصلت إلى درجة قيام البعض بالمطالبة بحل حزب العدالة والتنمية!..
وهي دعوة غريبة في السياق المغربي الذي يقود فيه حزب العدالة والتنمية حكومة ائتلافية بعدما نجح المغرب في تجنب السيناريوهات العنيفة التي سقطت فيها دول أخرى، ودشن مسارا هادئا تحت شعار ‘الإصلاح في ظل الاستقرار’ بعد انتخابات تشريعية غير مطعون في نزاهتها، وبعد دستور جديد تضمن العديد من الإصلاحات واحتفظ للمؤسسة الملكية بموقع السمو في النظام السياسي المغربي.
في الآونة الأخيرة انطلقت حملة إعلامية مسعورة تحاول استلهام النموذج المصري في التعاطي مع التيارات السياسية الإسلامية بعد عملية الانقلاب على المسار الديموقراطي متجاهلة خصوصية النظام السياسي المغربي التي تجعل رأس النظام السياسي ليس محل منافسة انتخابية، وأن الدستور المغربي احتفظ لرئيس الدولة بصلاحيات واسعة وجعله ضامن دوام الدولة واستمرارها، وبالتالي فإن الحكومات تتعاقب على تدبير الشأن العام وتتغير بناء على ما تسفر عنه صناديق الاقتراع، أما رئيس الدولة فهو الملك الذي لاينتمي لأي حزب سياسي وهو من الناحية الدستورية الممثل الأسمى للدولة، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة. وبهذا المعنى فإن الدولة لا يمكن أن تأخذ صبغة حزبية يمكن أن تهدد المسار الديموقراطي في البلاد أو على السير العادي للمؤسسات أو على المس بالحقوق والحريات.
إن النظام الملكي الذي يعتبر من ثوابت المملكة في المغرب، يعتبر ضمانة أساسية لحماية المسار الديموقراطي، ويتدخل لتنبيه الحكومات المتعاقبة إلى بعض الاختلالات التي يمكن أن تقع في أدائها التدبيري، لكنه بهذه الوظائف السامية لا يمكن أن يكون مع هذا الطرف أو ذاك..
ولذلك، واستلهاما من التجربة المغربية، فإن جزءا من الحل بالنسبة للدول التي تعرف اضطرابات حقيقية، يوجد في تطوير أنظمة دستورية تجعل رأس النظام السياسي يتمتع بوظائف تحكيمية وسيادية ورمزية، يكون فوق الصراعات اليومية للأحزاب السياسية.
إن النظام البرلماني الذي يتمتع فيه رؤساء الدول سواء في الأنظمة الجمهورية أو الأنظمة الملكية باختصاصات الإشراف العام والتوجيه الاستراتيجي والتمثيل السيادي للدولة والحرص على احترام قواعد العملية السياسية، تجعل رأس النظام السياسي في منآى عن أي مساءلة سياسية مباشرة، بينما تتركز عملية المساءلة والمحاسبة في الحكومات التي تسهر على التدبير اليومي للسياسات العمومية.
لقد ظهرت العناوين الأولى للنظام البرلماني في المغرب بعد الاستقلال على يد علال الفاسي الذي كتب في كتبه ‘النقد الذاتي’ بأن: ‘أسباب كل ما جرى في وطننا من اضطرابات، راجع إلى كون جلالة الملك مسؤول مباشرة أمام الشعب، وذلك ما أحدث في بلادنا كثيراً من الثورات التي كان يمكن الاحتراز عنها لو أن الوزارة المغربية أخذت صبغتها الديمقراطية فبدأت تتحمل هي مسؤولية أعمالها’.
بحيث يتحمل الوزراء المسؤولية السياسية أمام البرلمان، وبذلك يكون رأس النظام، وهو الملك، في منأى عن تحريك المسؤولية المرتبطة بامتلاكه للسلطة، مما يساهم في تعزيز الاستقرار السياسي والاحتراز من الثورات والاضطرابات.
ويسترجع علال الفاسي بعض المحطات من تاريخ المغرب لتعزيز أطروحته، ويعود بالضبط إلى مرحلة السلطان الحسن الأول قائلاً: ‘وإن في التجديد الحكومي الذي وضعه مولانا الحسن (1873-1894م) خير دليل على أن الحكومة الشريفة كانت سائرة في هذا الاتجاه المتفق تماماً مع الروح الإسلامية’.
‘لأن جلالة الملك هو ولي الأمر في القضاء وفي الحكم، وكما أن القاضي منفذ للقانون بالنيابة عن الملك، ولكنه هو الذي يتحمل مسؤولية الأحكام التي يمضيها، كذلك يجب أن يكون الوزراء منفذين لشؤون الدولة باسم جلالته ولكن على شرط أن يتحملوا مسؤولية ما يمضونه من أعمال أمام جلالته بصفته ولي الأمر، وأمام المجالس النيابية يوم يتم تحقيق ما نصبو إليه من نظام دستوري متين، بعد الاستقلال طبعاً’. ولم يخف علال الفاسي إعجابه بالنظام البرلماني في بريطانيا، لكنه اختار مثالاً معبراً عن البيئة المغربية لتقريب صورة النظام البرلماني في أذهان النخبة المغربية. إنه مثال القاضي الذي يصدر الأحكام باسم الملك، ولكنه يتحمل المسؤولية الكاملة عن أحكامه القضائية، فكذلك ينبغي أن يكون الشأن بالنسبة للوزراء في مختلف القطاعات، فليس من الحكمة أن يتدخل الملك في كل كبيرة وصغيرة، ولكن الوزراء يتولون مهام تنفيذ شؤون الدولة باسمه، ويتحملون مسؤولية أعمالهم أمام الملك بصفته ولياً للأمر وأمام المجالـس النيابية المنتخبة، من قبل عموم المواطنين.
هذا هو سر نجاح الأنظمة الملكية في أوربا وسر استمرارها، وهو أمل الشعوب التي تتطلع للحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية في ظل دولة مستقرة بمؤسساتها الديموقراطية وليس بقواتها الأمنية وقدراتها القمعية.

«عشق المسرح» لعبدالواحد بن ياسر





افتتحت الهيئة العربية للمسرح سلسلة «الثقافة المسرحية» ضمن منشوراتها بكتاب «عشق المسرح» للناقد والاكاديمي المغربي عبدالواحد بن ياسر. وأطلقت الهيئة هذه السلسلة لتكون سبيلاً للتعرف إلى المسرح بفنونه وعلومه ومدراسه وتاريخه.

يبدأ بن ياسر كتابه بالسؤال: «لماذا لم يعد الكثيرون يحبون المسرح؟ لماذا هجره العديد من عشاقه؟ هل لأن هؤلاء تغيروا، أم أن المسرح نفسه هو الذي صار مختلفاً عما كان عليه في الماضي؟ لماذا لم يعد يذهب حتى الممارسون والممتهنون أنفسهم لمشاهدة أعمال زملائهم في الحرفة؟ وحتى عندما يحضر بعضهم عرضاً من العروض، فإن ذلك يحصل على مضض، ومن باب المجاملة أو «الحضور الأخلاقي».

ويبحر في الإجابة واضعاً بين يدي القارئ خلاصة مسببات العشق لهذا السيد النبيل المسرح. متنقلاً في تناوله بين محطات ومواضيع: فمن ميتافيزيقا العرض وتجربة الجسد في تجربة الفرنسي أنطونان آرتو وضرورة التمسرح فالى المسرح بين النص والعرض، ومن صناعة الفرجة ووسائل الاتصال الجماهيرية، إلى برتولد بريخت والعلائق والعوائق مع المسرح العربي، وعوائق التنظير، ومسارات التجريب في المسرح المغربي، إلى تجربة يوسف شاهين المسرحية في كاليغولا، ومسرح الشمس في ريتشارد الثاني، والحرية والكتابة لدى بيتر فايس، والثقافة والمأساة لدى رولان بارت


.

خيارات سيئة في سورية جهاد الخازن


إذا كان النظام السوري استعمل أسلحة كيماوية وارتكب مجزرة الغوطة، فإنني أريد أن يقدم مفتشو الأمم المتحدة وخبراؤها في موقع الجريمة أدلة دامغة على أن هذا ما حدث فعلاً. أما أن يقول هذا دعاة حرب يبحثون عن سبب لمهاجمة بلاد العرب والمسلمين، فإنه يلغي أي صدقية لهجوم على قوات النظام وقواعده العسكرية.

التعليقات التي قرأت في ميديا أوروبا وأميركا تعكس مواقف معروفة لأصحابها، لا رأياً موضوعياً في المأساة السورية المستمرة والمتفاقمة. ورئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير كتب مقالاً في «التايمز» اللندنية عنوانه «يجب وقف فرك الأيدي، يجب أن نعمل». هو يريد تدخلاً غربياً في مصر وسورية لدعم الحرية والديمقراطية، كما زعم. هذا الرجل شارك جورج بوش الابن في حرب زُوِّرَت أسبابها عمداً على العراق، وقتل مليون عربي ومسلم، ولا يزال القتل مستمراً. وبدل أن يَمْثُل أمام محكمة جرائم الحرب الدولية ويُحاكم ويُسجن، لا يزال يطالب بحرب أخرى هي حتماً لن تَنشر أي ديمقراطية، وستخنق ما بقي من حرية في هذا البلد أو ذاك. على الأقل جماعات معارضة الحرب في بريطانيا تتظاهر ضد التدخل العسكري.
دعاة الحرب من أنصار إسرائيل، خصوصاً من المحافظين الجدد وليكود الولايات المتحدة، أعطوا فرصة ذهبية للتحريض على مهاجمة بلد عربي آخر. وصفحة الرأي في «وول ستريت جورنال» ليكودية بالكامل، فأقرأ فيها مقالاً بعنوان «استهدِفوا الأسد» كتبه بريت ستيفنز.
«نيويورك تايمز» كانت أكثر حذراً في افتتاحيتين كتبهما أعضاء صفحة الرأي في الجريدة. الأولى حملت العنوان «الجثث في سورية» وأيَّدت التدخل ضد مرتكب مجزرة الغوطة، سواء أكان النظام أم المعارضة، والثانية عنوانها «الرد على الفظائع في سورية»، وبَدت أكثر ميلاً الى اتهام النظام وحثّ إدارة اوباما على التدخل العسكري ضده.
غير أنني قرأت في الجريدة نفسها «اقصفوا سورية حتى لو كان (القصف) غير شرعي» والمقال كتبه أيان هيرد، وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة أميركية. أما «واشنطن بوست» فنشرت مقالاً عنوانه «سورية بحاجة إلى أكثر من صواريخ كروز»، كتبه إيليوت كوهن، وهو أستاذ جامعي آخر يتحدث بوضوح عن القانون والمحاذير، إلا أنه ينتهي بطلب حملة عسكرية مركزة على سورية لا مجرد غارة بصواريخ، ويقول إن عدم التدخل لا يمكن تحمله.
ميديا المحافظين الجدد واليهود الأميركيين الليكود دعت إلى تدمير سورية من دون أن تقول ذلك، فهي تحثّ على التدخل، و «واشنطن تايمز» في افتتاحية لها تقول إن بشار الأسد يستحق الضرب بالصواريخ أكثر من ستالين وهتلر (ولكن ليس أكثر من بنيامين نتانياهو، كما أقول أنا). أما «كومنتري»، فتفسح مجالاً لداعية حرب هو ماكس بوت، فيدعو إلى عمل عسكري ضد نظام بشار الأسد حتى لا تصبح الولايات المتحدة هدف السخرية والضحك حول العالم كدولة عظمى تواجه التحدي وتتجنب الرد.
كانت هناك أصوات أخرى، حيث قالت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور»، التي تمثل كنيسة مسيحية معتدلة لها علاقات مع الشرق الأوسط: «أميركا ليست شرطي العالم في سورية أو العراق»، ومثله «ضربة أميركية لسورية ستكون عمل حرب غير شرعي».
هذا رأيي أيضاً، وقد كتبت في هذه الزاوية أن الذي ارتكب مجزرة الغوطة يستحق أن يُصلب على إحدى بوابات دمشق، إلا أن صلبه يقتضي أن يكون هناك دليل قاطع ضده، وأن يصدر قرار عن مجلس الأمن الدولي يسمح بالتدخل العسكري ضد المسؤول عن المجزرة.
وجدت أيضاً ما يشبه رأيي الآخر، وهو أن الخيارات في سورية سيئة كلها، ومايكل روزن في «ويكلي ستاندارد» الليكودية، كتب مقالاً بعنوان «فرصتنا في سورية»، وأقول إنها فرصة إسرائيل لا أميركا، وقال إن الخيارات تتراوح بين سيئ وأسوأ منه. أما إدوارد لوتفاك في «نيويورك تايمز»، فكان عنوان مقاله «في سورية أميركا تخسر بغض النظر عن الطرف الفائز هناك».
إذا كان لي رأي ثالث، فهو أنني أرجو أن يفوز الشعب السوري، ولا أعرف كيف، فالمأساة مستمرة، ولا سبب منطقياً للتفاؤل.



االدعوة السلفية... والقرار التاريخي حسن بن سال


 الحديث في الوقت الراهن حول الحركة أو الدعوة السلفية في مصر، وتسليط الأضواء على بداية ظهورها السياسي في المشهد، يبرز أهميته وضرورته حالياً تبعاً للدور المهم المناط بها في المرحلة المقبلة، كونها أهم وأبرز قوة في تمثيل الإسلام السياسي، ومدى قدرتها على المساهمة بصفتها لاعباً أساسياً في بناء الدولة المصرية على وجه المشاركة مع القوى السياسية كافة، في وقت لا يزال مستقبل جماعة «الإخوان» التي فشلت في إدارة شؤون الدولة يكتنفه الغموض من جهة قبولها أو رفضها المشاركة السياسية، سواء باختيارها أم على رغمها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك عدد من الناس لا يزالون يجهلون الكثير عن الدعوة السلفية في مقابل معرفتهم من وسائل الإعلام والصحف وغيرها طيلة أعوام وأعوام حول جماعة «الإخوان المسلمين»، التي تقع على النقيض منهم تجاه الكثير من المسائل والقضايا كما سيأتي ذكره في مقالة لاحقة.
إن من غير المبالغة القول إن ثورة 25 كانون الثاني (يناير) لم تسفر عن بروز قوة سياسية واجتماعية في المجتمع المصري، بمقدار ما أبرزت التيار أو الحركة السلفية على أرض الواقع، على رغم أن معظم أطيافهم الفكرية لم تكن يوماً جزءاً من الحراك السياسي، وكذلك كانت لها مواقف متباينة تجاه الثورة بين الرفض أو المشاركة المحدودة وهو واقع تؤكده ولا تنفيه.
أدرك السلفيون عمق التغيير الذي أحدثته الثورة في الواقع المصري، وهو ما مكنهم من تحقيق درجة عالية من الحضور المجتمعي، فزاد حضورهم الإعلامي بدرجة عالية بعد أن كان مقتصراً على منابرها الإعلامية، وانفتحت على شرائح مجتمعية كانت بعيدة عنها قبل الثورة، وباتت الظروف مهيأة لها للدخول والمشاركة بصفتها طرفاً فاعلاً في اللعبة السياسية.
كان أمام الدعوة السلفية في الإسكندرية باعتبارها الكيان السلفي الأكبر، والأوسع انتشاراً، والأقوى تنظيماً، والأعمق فكرياً، في ظل هذه التغيرات التي كانت تملك موقفاً قاطعاً على مدى عقود، تمثل في الرفض التام للانخراط والدخول في العملية السياسية، ومن الديموقراطية لاعتبار ديني وواقعي، الإجابة عن سؤال كبير بات مطروحاً في الساحة حول الممارسة السياسية، وهل ستشارك في العملية السياسية أم لا؟ كان أمامها خياران: إما الإصرار على مواقفها السابقة بعدم الدخول في اللعبة السياسية ورفضها، بالتالي ستكون خارج التأثير السياسي، أو القبول بالمشاركة السياسية، ما يعني تحولاً جذرياً في منهجها، ولو قررت المشاركة هل ستكتفي بالوقوف خلف «الإخوان المسلمين»، وحزبهم السياسي، أم ستؤسس حزباً سياسياً؟ وبعد جدل ونقاش، خرجت الدعوة بقرار المشاركة، بل والانتظام بعمق في العملية السياسية، وأسست حزب «النور»، وتبعتها في ذلك القرار غالبية الكيانات السلفية الأخرى وكونت أحزاباً سياسية (الأصالة – التنمية والبناء – الفضيلة). ربما لم يكن هذا القرار مدعوماً بتغطية تنظيرية كافية لتبرير عملية التحول في الموقف من المشاركة السياسية، ولم تسعفها سرعة الأحداث من طرح مراجعات فكرية كافية، في مقابل التفاعل مع التطورات، وهو ما أدى إلى خلق أو وجود منطقة رمادية غامضة بين ما هو ديني وما هو سياسي، فالدعوة السلفية قبل الثورة كان لها خطاب ذو بعد واحد هو البعد الديني، وبعد الثورة وجد مكون مهم هو السياسي الذي تم ربطه بالأول بعلاقة مبتدئة، بل وغير منسجمة أحياناً، ولا يعود السبب في ذلك إلى حداثة مشاركتهم السياسية فحسب، وإنما يعود إلى الاصطدام بمخزون فقهي يقيد طبيعة الممارسة والخطاب السياسي وهو ما انعكس على الكثير من مواقفها لاحقاً.
اعتنى حزب النور منذ تأسيسه حتى بما يتعلق ببعض التفصيلات الصغيرة، حتى إن الدكتور عماد عبدالغفور المؤسس والرئيس السابق لحزب النور وجه أعضاء الحزب وكوادره بمحاولة تغيير الصورة الذهنية التي أخذها الناس عن الإسلاميين بأنهم أصحاب اللحى والجلاليب، وارتداء البدل الكاملة، أو على الأقل القميص والبنطال، وكذلك بإعطائهم دورات وبرامج في السياسة، والقانون والإعلام، واستطاع «النور» وضمن تحالف الكتلة الإسلامية الذي تزعمه «أن يحتل المرتبة الثانية في البرلمان بعد «الإخوان المسلمين» بنسبة 24 في المئة من المقاعد».
كان قرار الدعوة السلفية بالانتظام في الحراك وتأسيسها حزباً سياسياً، له اعتبارات إيجابية مهمة على أرض الواقع هي:
أولاً: أنها تؤكد مسار مراجعات الحركات السلفية التي انتهت في محطتها الحالية إلى البحث عن خيارات الاندماج السياسي، بعد جدل ونقاش حول المشاركة السياسية من داخل الأدبيات السلفية ذاتها، وهو ما يؤكد سيرورة واستمرارية المراجعة لطبيعة مواقفها، وأفكارها وضرورة الاستمرار في مراجعة مفاهيمها تجاه قضايا مهمة كمفهوم الدولة المدنية وفلسفة الديموقراطية.
ثانياً: توسع دائرة المشاركة لمكونات المجتمع في العملية السياسية، وتقلل من حجم الرافضين لها، فتساهم بالتالي في تقوية الديموقراطية، وتضفي على التعددية الفكرية والسياسية الموجودة أبعاداً أخرى بصورة تغنيها وتثري أطيافها.
ثالثاً: إنها تساهم في شكل كبير في رفع التوجس المزدوج: توجس الفاعلين السياسيين والمجتمع من الحركة السلفية بخلفياتها الفكرية والمرجعية، وتوجس السلفيين أنفسهم من العملية السياسية ومكوناتها التي تختلف معهم حول قضايا وأدوات ومسائل عدة.
ومع أهمية كل تلك الاعتبارات السالفة الذكر، يظل من أهم التحديات التي تواجه الدعوة السلفية هو القدرة والاستمرار في التأثير في شريحة كبيرة من المنتمين للتيار الإسلامي وانتشالهم من آفة العنف، وكبح جماح سلوك الفوضى والاندفاع، والاستمرار في تكييف قناعاتها مع مستلزمات ومقتضيات البيئة وقواعد اللعبة السياسية.

القليل من الواقعية حسام عيتاني

المعارضة كبيرة في الغرب للضربة المقبلة على مقرات النظام السوري. لا يريد المواطن في الدول الغربية التورط في صراع آخر لا يفقه شيئاً فيه. مرارة العراق وأفغانستان ما زالت في حلق المؤسسات السياسية والعسكرية.
هناك من حذّر من أن الولايات المتحدة، بقصفها بعض مواقع النظام، ستكون انتقلت إلى القتال في خندق «القاعدة» بما أن بشار الأسد يعلن ليل نهار أنه يحارب «التكفيريين» والإرهابيين، مشيراً إلى وحدة المصلحة مع الغرب في الصراع الذي يخوضه من جهة، وعلاقة «الحب- الكراهية» التي تهيمن على تفكيره بإزاء الغرب، من جهة ثانية.ويذهب آخرون إلى أن العملية العسكرية لن تكون سوى تبرئة لضمير النخب الغربية النرجسية التي استاءت من صور أطفال خنقهم الغاز السام، من دون أن يكون في حساب الحكومات المشاركة في الضربة تغيير النظام أو حتى إنزال عقاب رادع به. وسيتيح ذلك لسياسيي الولايات المتحدة وحلفائها متابعة مشاهد القتل اليومي للسوريين، بضمير مرتاح، بما أنهم فعلوا ما في وسعهم لوقف «الأعمال الوحشية» التي ترتكبها حكومات متخلفة بحق شعوب أكثر تخلفاً.
ثالثة الأثافي، ما ذُكر عن حرب صغيرة لا تزيد كلفتها على 140 مليون دولار، تتلاءم مع الأوضاع الاقتصادية الأميركية واقتراب موعد «إغلاق الحكومة» بسبب الهوة المالية. تتلاقى هنا العناصر النرجسية والمركنتلية مع ضرورة حفظ ماء الوجه مقابل ديكتاتور دموي انتهك قواعد اللعبة التي يراقبها العالم من دون كبير اهتمام.
كل هذا أو جلّه صحيح. ومن السذاجة الاعتقاد أن الأميركيين والحلفاء سيؤدون دور القوات الجوية التابعة للجيش السوري الحر وأن ينفذوا مهماتهم واضعين الاعتبارات الميدانية والسياسية للثوار في مقدمة جدول الأعمال. فالضربة تخدم المصالح والاعتبارات الأميركية والغربية أولاً وأخيراً.
في المقابل، تقتضي الواقعية السياسية القيام بالتمرين الآتي: بعد الإقرار بكل ما سبق، وربما غير ذلك من المعطيات غير المنظورة، كيف ستستفيد المعارضة السورية من الضربة المقبلة، ما دامت ستقع بغض النظر عن الدوافع المباشرة والآنية.
بكلمات ثانية، نحن على عتبة تطور رئيس في الثورة السورية. ما زالت عواقبه غير واضحة. لكن من الأهمية بمكان عدم إضاعة الاحتمالات التي يفتحها في سبيل دفع الثورة خطوات إلى الأمام نحو تحقيق مكاسب جديدة وتكريس ما أنجزته حتى اليوم، وهو ليس بالقليل. وبغض النظر عن إعلان النظام السوري «انتصاره» المنتظر على «العدوان الإمبريالي»، وهي سُنّة طغاة هذه المنطقة وديدنهم منذ «الانتصار» على عدوان 1967 والذي تمثل ببقاء «الأنظمة التقدمية»، فإن المعارضة السورية مدعوة إلى تحويل هذا الهجوم إلى زخم سياسي وعسكري وإعلامي.
قد تكون الخطوة الأولى في المجال هذا التأكيد على الأسس الذي انطلقت الثورة منها: إنها محاولة المجتمع السوري استعادة ذاته من شدق الوحش المافيوي- الطائفي. خلاصة الموقف ليست في تردد أوباما ولا في اعتراض حزب العمال البريطاني ولا في تدفق النفط أو في أمن إسرائيل. المسألة، كل المسألة في الموقف من نظام أباح لنفسه إبادة مواطنيه ونقل أزمته إلى الدول المجاورة مخرجاً نفسه من أي مفهوم للسياسة أو الحكم وحتى للتعامل البشري والحضاري.
الخطاب الأخلاقي عن الحفاظ على البلد وإدانة العدوان الغربي و «الالتفاف حول الوطن»، يبدو متهافتاً إلى أن يلتقي في نهاية المطاف مع تبرير جرائم القاتل، شاء المروجون له ووعوا ذلك أم جهلوا.

عن المواقف التركية من التحولات المصرية صلاح سالم

 
لعل المعضلة الوجودية لإخوان مصر تكمن في أنهم لا يملكون هامشاً واضحاً للتجديد والإضافة إلى البنية الثقافية السائدة، حيث ترسخت دولة مدنية، تتبنى علمانية معتدلة توقر الإسلام وتحترم الأديان فعلاً، وذلك على النقيض من الحركة الإسلامية التركية التي واجهت علمانية أصولية نوعاً، لم تكتف بفصل الدين عن المجال العام، بل حاصرته ولم توقره في المجال الخاص نفسه، فكان لديها مشكلة تتصدى وسؤال يمكن الإجابة عنه. لقد قام الإسلاميون عموماً والإخوان خصوصاً، بهجاء جمال عبد الناصر باعتباره «أتاتورك مصر»، عدو الإسلام. ولم يكن الرجل مسلماً عادياً، كرس لتدين منفتح هيمن على الطبقة الوسطى المصرية التي اتسعت في عهده، لتصبغ بروحها الوطنية المصرية المعاصرة.
كما كان نظاما السادات ومبارك أقرب إلى تركيا الأردوغانية منهما إلى تركيا الكمالية على الصعيد الأيديولوجي، وإن لم يكن على صعيد الإنجاز السياسي ـ الاقتصادي. وهكذا لم يكن للإحياء الإسلامي في مصر مبرر ثقافي ـ تاريخي حقيقي، ولا يمكن فهمه إلا في سياق أزمة الحداثة وانسدادات السياسة، والارتدادات المتولدة عنهما. وهكذا تبدو تجربة «الإخوان» أقرب ثقافياً إلى تجربة «الرفاه» قبل نحو العقدين، أما سياسياً فتشبه تجربة «جبهة الشرق الأعظم» قبل نصف قرن.
ولو أمعن أردوغان النظر لوجد أن تجربته وحزبه أقرب إلى مصر التي كانت قبل 25 كانون الثاني (يناير) على صعيد التوازن الثقافي، أو التي ستكون بعد 30 حزيران (يونيو) على صعيدي التوازن الثقافي، والإنجاز الاقتصادي معاً، ما كان يفرض عليه أن يكون أكثر المرحبين بما جرى في الثالث من تموز (يوليو) لو كان يرغب حقاً في تأسيس علاقة إستراتيجية تقوم على قربي ثقافية مع مصر. أما هذا القدر من الرفض المتشنج لخريطة طريقها فلا يمكن فهمه إلا في ضوء مداخل ثلاثة أساسية. المدخل الأول يتعلق بأزمته الداخلية الراهنة مع معارضيه خصوصاً بعد أزمة ميدان «تقسيم» وخشيته من الإلهام المصري، ويرتبط بذلك أزمته النفسية العميقة مع النزعة الانقلابية للجيش التركي. وهي نزعة غير موجودة لدى الجيش المصري، الذي هب إنقاذاً للدولة المصرية من التحلل، لا إنقاذاً لأيديولوجيا معينة من الفشل كالجيش التركي، فإذا كان الأخير حضر مراراً لرعاية العلمانية الأتاتوركية، فإن الأول استحضر دوماً لرعاية الوطنية المصرية. والفارق هنا حاسم وكبير، ومن ثم يبدو الموقف التركي الراهن من مصر أقرب إلى موقف حزب منه إلى موقف دولة، وكذلك موقف شخص له تركيبته النفسية الخاصة به، ومفتاحها الحقيقي هو معاناته من أزمة كاريزما منقوصة لديه، يود لو اكتملت له إلى الدرجة التي تجعله أباً للأتراك مثل مصطفى كمال بك، أو للمسلمين، وضمنهم المصريون، مثل كل الخلفاء العثمانيين.
والمدخل الثاني يتعلق بتوجهاته المستقبلية، إذ ربما كان الرجل بصدد عملية تحول من الدولة العلمانية التي حكمها، إلى دولة أخرى أقل علمانية، يمكن وصفها بـ «الإسلامية»، ونسبة الحزب الحاكم فيها إلى نمط من «الإخوانية»، وإدراجه في سياق الإسلام السياسي. وهو أمر يبدو من الصعب تخيله لأن البيئة السياسية التي يعمل فيها الرجل لن تسمح له بذلك، فهو لم ينجح إلا بوصوله إلى نقطة التوازن الحرج بين التيارين العلماني والإسلامي، وما إن يتجاوز هذا الحد إلا كان سقوطه مرجحاً، وهو الموقف الذي يخايله بعد أزمة ميدان تقسيم، التي كشفت احتقاناً مكتوماً لدى العلمانيين، سعى للتعبير عن نفسه في الفرصة المتاحة، ولا بد أن الرجل على قدر من الذكاء يسمح له باستيعاب تلك الحقيقة.
والمدخل الثالث يتعلق بطموحات تركيا السياسية في الإقليم، إذ ربما كان الرجل سعيداً بدخول مصر إلى نفق الإسلام السياسي، لتبقى عضواً نشيطاً في تحالفاته، وتابعاً حقيقياً لتوجهاته، أي أنه أراد أن يدير «ضعف مصر» على الطريقة الأميركية مثلاً، بدلاً من الاستثمار في قوتها كحليف استراتيجي لها، وشريك حضاري لشعبها. غير أن هذا الفهم نفسه يبدو قاصراً سواء لأن مصر، تحت الحكم الإخواني، كانت تسير في اتجاه تفجير نفسها باحتضان شبكات إرهاب في سيناء كانت الدولة المرشدية نفسها سوف تضطر ولو بعد وقت غير طويل لمواجهتها ما كان سيجعل من مصر عبئاً كبيراً عليها. أو لأنها كانت تسير في اتجاه يناقض عمقها العربي ومجالها الحيوي خصوصاً في الخليج، وهو اتجاه لا يمكن أن تسير فيه مصر طويلاً لاعتبارات ثقافية وإنسانية مركبة إلى حد التعقيد، كما أنه لا يخدم المصالح التركية نفسها على المدى البعيد، والتي تعتبر القاهرة مدخلاً لمحور الاعتدال العربي، على نحو يجعل من ضعفها خصماً من قيمتها الإستراتيجية، حتى لتركيا نفسها.