لا لزوم للحيرة حول التحالف بين الغرب والإسلام السياسي. هناك أسباب أربعة أحدها يتعلق بالثقافة والدين، والثاني بالإيديولوجيا (دور الدولة) والثالث بالاستراتيجية (مشروع الشرق الأوسط الكبير) والرابع بالسياسة (دور مصر).
في ما يتعلق بالثقافة يعتبر الفريقان أن لها أولوية في تقرير مسار الشعوب؛ وأن الشعوب الإسلامية والعربية، على الخصوص، لها سمات جوهرية تمنعها من تجاوز ماضيها وأسلافها. يعتبرون تاريخها دائرياً، والثورة ليست تجاوزاً للماضي بقدر ما هي إعادة الأمور إلى نصابها السابق. للغرب تفوّق علمي تكنولوجي. للشرق الله والدين. يتخلّف الشرق، وربما كانت الأسباب تعود إلى تقدم الغرب العلمي والتكنولوجي؛ لكن الشرق له أصالته التي يترجمها السلفيون إلى اتباع السلف الصالح. يعتبر الفريقان أن لكل من الغرب والشرق أصالته. أصالة الغرب هي في التجاوز الذي يؤدي إلى التقدم، بسبب العلم والتكنولوجيا؛ وخلع استبداد الماضي وتحكّم السلف الصالح. أما الشرق (وخاصة الثقافة الإسلامية)، فهو مهما قام بثورات وانتفاضات، فإنه لا بد وأن ينتهي إلى حيث بدأ. الزمن لدى الغرب لولبي وتصاعدي؛ والزمن لدى الإسلام دائري؛ ولا بد لكل من الفريقين من الانصياع لقدره. وقدر كل منهما تقرره الثقافة؛ المستقبل يقرره ما سبق من تاريخه. تاريخ الشرق يقرر العود على بدء. وتاريخ الغرب يقرر عدم العودة إلى الوراء، ويقرر التقدم والتجاوز. يتشابه الفريقان في هذه الرؤية، ويتفقان على هذا الاختلاف؛ وعلى أن لكل ثقافة جوهرها، وعلى أن جوهر الثقافة هو ما يقرر مسارها.
تتشابه الإيديولوجيا عند الطرفين. كل منهما يرى للدولة دوراً ضامراً في العلاقة مع المجتمع. مهما ازداد الفقر وتراجع الاقتصاد فإن تدخل الدولة غير مرغوب. تعزيز دور القطاع الخاص هو ما يجب تشجيعه ولو كان ذلك على حساب الإنجاز والتقدم.
الدولة في خدمة الرأسمالية لا في خدمة المجتمع. حتى ولو تدخلت الدولة فإن القطاع العام يجب أن يكون في خدمة القطاع الخاص. يرى الغرب ذلك خدمة لشركاته ومصالحه في الشرق الإسلامي. وترى الأممية الإسلامية في ذلك خدمة لتنظيمها الأممي. كل منهما أممية، لكن واحدة تسعى إلى خدمة الأخرى، وذلك مقابل البقاء في السلطة. يلتقي الفريقان حول إيديولوجيا الليبرالية الجديدة التي ترى الحل في الخصخصة ولو كان الأمر على حساب الدولة والمجتمع. الفرق أن ذلك يخدم الدولة في الغرب، وهي كيان قوي؛ ويخدم مصالح الطبقة المهيمنة في الشرق الإسلامي الذي تحكمه دول ضعيفة تستتبع مجتمعاتها لدول الغرب القوية.
أما السبب الاستراتيجي فهو يتعلق بالمستقبل المرسوم للمنطقة العربية عن طريق مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يلغي العروبة لصالح سيطرة الإسلام السياسي، ويبنى الشرعية المفترضة لا على أساس اللغة والحرية بل على أساس الشريعة والقيود التي يفرضها الإسلام السياسي؛ ومن ورائه الغرب. بالطبع، ليست الشريعة خارج التطبيق، ولا المسلمون يعيشون على غير شريعتهم، وإلا كان هناك شك في كونهم مسلمين. المسألة ليست الشريعة بحد ذاتها، بل هي الشرعية كما يراها الإسلام السياسي وكما يرسمها الغرب. كلاهما جعل من الشريعة نقيضاً للحرية. وهما يسعيان إلى تكبيل الشعوب العربية والحد من حريتها في تقرير مصيرها؛ والدستور في كل بلد عربي أو غير عربي، هو جزء من تقرير المصير، أو بالأحرى هو الإطار الذي ترتسم فيه الحريات.
أما السبب السياسي فهو يتعلق بدور مصر في المنطقة العربية. يسعى الغرب، وقد أفلح في ذلك منذ اتفاق كامب ديفيد، إلى إبقاء مصر خارج المجال العربي. ويعمل الإسلام السياسي لإخضاع مصر لمقتضيات تنظيمه الدولي. ليست مصر بالنسبة له وطناً لأبنائه، وتعبيراً عن إرادتهم، وكياناً ينبثق من إرادتهم، بل هي وكل شيء آخر أداة تخضع لما تخطط له الأممية الإسلامية، ومن ورائها أصحاب مشروع الشرق الأوسط الجديد الكبير.
يعيد التاريخ نفسه بشكل أو بآخر. يكرّر الغرب نفسه ولا يستطيع الإقلاع عن ممارسات هي التي دفعت عبد الناصر في النصف الأول من الخمسينيات إلى «الناصرية»، بما يعنيه ذلك من توسع دور مصر العربي والدولي وبناء الدولة والاقتصاد والمجتمع على أساس متطلبات الشعوب العربية وليس الانصياع لإرادة الغرب. ولهذا الحديث تتمات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق