بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 24 أغسطس 2013

كيف دمر الديكتاتوريون العرب بلدانهم... صدام وبشار نموذجاً -داود البصري - العراق



 حالة الخراب المقيم التي عصفت وتعصف بحواضر العرب التاريخية كالعراق والشام لا تنفصل ابدا عن حقائق الأوضاع السياسية والمجتمعية الشاذة التي عاشتها تلك البلدان المحورية تحت رحمة أنظمة فاشية متسلطة أهدرت ثروات بلدانها ودمرت طاقاتها على مذبح مغامرات غير مدروسة وممارسات سياسية وعسكرية وأمنية شاذة حولت في النهاية هذه البلدان التي كانت انطلاقتها في أوائل القرن الماضي واعدة مناطق جحيم ينعق بوم الموت والتخلف والعدمية في أرجائها, ففي العراق الذي يقف اليوم وبعد عشرة أعوام من الاحتلال الأميركي الذي تحول احتلالاً إيرانياً من الباطن وإسقاط النظام السابق بقوة سلاح التدخل الدولي, تبدو الأوضاع العامة مرشحة لمزيد من التدهور بعد زيادة العنف والتحذير الأممي الواضح من احتمالات اندلاع حرب أهلية طائفية ساخنة لن تبقي أو تذر وستغير الخارطة السياسية للشرق القديم بأسره! أما في جارته سورية والتي يعيش شعبها منذ نحو ثلاثة أعوام أجواء حرب أهلية ساخنة بين النظام وشطر كبير من شعبه فإن مصيرها لا يختلف أبدا عن المصير العراقي, وحيث احتمالات التقسيم والتشظي هي السائدة والمحتملة, فلماذا حدث ما حدث? ولماذا تدهورت أحوال أبرز بلدان الشرق, وكيف استطاعت الديكتاتوريات السوداء أن تصادر الوطن والشعب, وحتى المستقبل في مفارقات غريبة وغير مسبوقة في تاريخ شعوب الشرق? أسئلة ساخنة وإجاباتها ليست بالأمر السهل أبدا, بل إنها حالة معقدة من الأسباب والعوامل والحيثيات التي تستدعي منا الغوص طويلا في أعماق التاريخ والخلفيات السياسية والاجتماعية, ولكننا سنقتصر على رصد فترة تاريخية محددة لأخذ العبر الممكنة واستخلاص الدروس والتجارب.
 
الحالة العراقية             
حينما جاء حزب البعث العراقي للسلطة في انقلاب القصر الشهير ضد حكم الرئيس المسالم السابق الراحل عبدالرحمن عارف في 17 يوليو 1968 كان العراق, وقتذاك, يعيش أجواء ما بعد الهزيمة القومية في 5 يونيو1967 كان الوضع السياسي يتسم بالليبرالية والتسامح بعد أوضاع دموية قلقة ومراحل انقلابية متتالية عاشها العراق بعد انقلاب 14 يوليو الدموي عام 1958 ثم بعد انقلاب 8 فبراير 1963 الأشد دموية الذي قاده البعثيون والذي كان مفرطا في دمويته ضد اليسار العراقي والذي تهشم بالكامل! وقتذاك وكان انقلابا يعكس أجواء الحرب الكونية الباردة المحتدمة, وقتذاك, جاء البعثيون للحكم للمرة الثانية في أقل من خمسة أعوام وهم يحملون عقدهم التاريخية ونظرة الشعب السلبية اليهم ولكنهم تمكنوا رغم قساوة نظامهم ولجوئه للعنف المفرط لتصفية خصومهم في معتقلات "قصر النهاية" وغيرها من بناء دولة قوية مصونة الجانب حاولت إبداء قدراً من التوازن الاجتماعي, وكانت السلطة الحاكمة تصدر قراراتها بعد دراسة مستفيضة, ومن خلال قيادة جماعية قبل أن يكون الأمر فيما بعد محصورا بيد شخصين فقط لا غير هما الرئيس السابق أحمد حسن البكر ونائبه الرجل القوي والطموح صدام حسين الذي تمكن في النهاية من الإطاحة الكاملة بخصومه, ومنافسيه في الحزب والقيادة, والانفراد بقيادة العراق في 16 يوليو 1979 بعد الإطاحة بالرئيس البكر وإعدام عشرات القياديين البعثيين في المجزرة المعروفة, وصل صدام لعرش العراق, والبلد في أزهى حالة اقتصادية وحيث بلغ الاحتياطي النقدي وقتذاك 37 مليار دولار بأسعار تلكم الأيام وهو احتياطي ضخم جدا كان باستطاعته نقل العراق الى آفاق تنموية جبارة فيما لو أحسن استغلاله وإدارة الدولة بطريقة عصرية ومسؤولة ومتوازنة, ولكن مع مجيء صدام جاءت المغامرات وكانت باكورتها اندلاع الحرب مع إيران في 22 سبتمبر 1980 وهنا لن نتحدث عن الحرب وأسبابها فذلك موضوع آخر ومعقد ويحتاج الى صفحات طوال, المهم انه تمت  عسكرة المجتمع العراقي, وبولغ في التمجيد بعبارات الموت واستحسان مناظر القتل والجثث المحروقة, واستمرت الحرب الضروس ثمانية أعوام عجافاً شهدت صفحات دموية كبرى أنهت معها حالة التنمية الانفجارية كما أنهت مرحلة المجتمع المدني, وسادت الروح العسكرية في مختلف الميادين وتحول غالبية الشباب العراقي جنوداً يحملون السلاح, وهو ما كان له ثمنه الباهظ مستقبلا, ورغم تخلص النظام العراقي من ورطة الحرب باستسلام إيراني للسلام إلا أن النظام لم يحسن إدارة أزمة مجتمع ما بعد الحرب, وبالغ في القراءات الخطأ وأهدر فرصة تاريخية للتهدئة الاجتماعية وإقامة الدولة المدنية, وتحقيق جزءاً بسيطاً من الحياة الديمقراطية, والتي لا تتطلب منه سوى مرونة حركية في إتاحة المجال لحرية التعبير وفي التنازل عن السلطات الالهية التي حاول اسباغها على ذاته! ولكن للأسف أهدر صدام تلك الفرصة التاريخية وقام بغزوته الكويتية الحمقاء في 2 أغسطس 1990 منهيا بذلك أي فرصة حقيقية للتهدئة, والإصلاح, ومدخلا العراق في عاصفة حصار دولي خانق لم ينته إلا برحيله مشنوقا بعد عقدين من السنين, لتنعكس آثار تلك الفترة على العراقيين تعاسة بعد الاحتلال, وبعد التشرذم وانهيار الدولة الوطنية, ونمو الروح الطائفية والعشائرية البليدة والمتخلفة, وحيث يعيش العراق اليوم كل حقائق الانهيار التام والمؤكد.
 
الحالة السورية   
في سورية التي عاشت تحت حكم الأسد الأب لحظات عصيبة ودموية وهو الحكم الذي بدأ منذ 8 مارس 1963 وتعزز مع انقلاب اللجنة العسكرية عام 1966 ثم تأكد مع هيمنة حافظ الأسد على السلطة وإزاحة رفاقه عام 1970 ووصوله للرئاسة المطلقة عام 1971 ثم دخوله الحرب ضد إسرائيل في 6 أكتوبر 1973 والتي انتهت بفك الاشتباك في الجولان وبتحريك الجهود السلمية وإدامة حالة الجمود في جبهة الجولان حاول النظام بعدها بناء نموذج اشتراكي بعثي تميز بهيمنة الدولة وسيادة الفقر, ثم بتغول رجال النظام بعد مرحلة الانفتاح الاقتصادي, ولكن من دون التخلي عن نظام دولة المخابرات المتعددة والمرقمة التي تترأسها دولة "مخابرات القوة الجوية" حتى تحولت جموع الشعب مجاميع من الفئران في دولة الصمود والتصدي والقمع الرهيب, مما كلف الشعب السوري مواجهات دموية ساخنة اندلعت في نهاية سبعينات القرن الماضي واستمرت حتى عام 1982 وقيام النظام الأسدي بمجازره الرهيبة في حماة وحلب وبقية المدن السورية وتعزيزه للنظام القمعي الاستخباري في ظل مباركة دولية ملفتة للنظر واستمرت الحال حتى وفاة الأسد الأب وتحويل جمهورية البعث اقطاعية عائلية وتوريث بشار الأسد للرئاسة في مهزلة دستورية عام 2000 ليأتي طبيب العيون للعرش السوري مع طنين إعلامي حول الرؤى الجديدة وحول حرية التعبير وحول "ربيع دمشق" والذي تحول خريفاً عاصفاً أسود بعد أشهر قليلة من رئاسته وحيث لم يتحمل النظام حتى وجود صحيفة معارضة وشعبية بسيطة مثل "الدومري"! وأمعن قمعا وعودة للسيرة القديمة وإعادة لرجال الوالد من الخبراء في الجريمة والتعذيب حتى ثار الشعب السوري بعد صبر تاريخي طويل في 15 مارس 2011 عبر ملحمة أطفال درعا البطولة التي أثبتت ممارسات السلطة الوحشية بأنها سلطة فاشية لا فائدة منها, ولم تتعلم شيئا من دروس التاريخ... وحيث لا تزال الثورة السورية مستمرة بتضحيات إنسانية رهيبة.
لقد أغفل قادة جناحي نظام البعث البائد أو الذي سيباد لاحقا الفرصة التاريخية للإصلاح والتغيير, وتسببوا في دمار شعوبهم, وحيث تحصد تلك الشعوب المنكوبة اليوم نتائج ما زرعته الأيادي الفاشية السلطوية... إنها أسوأ نهايات لبقايا فاشية متحجرة لا حياة لها اليوم في عالم يتدفق نحو حرية كونية تنبذ كل صيغ العبودية والاستغلال وانظمة الجور والجريمة والهزيمة... وطبعا مسلسل الطغاة العرب ليس محصورا بالحالتين العراقية والسورية, بل إن هناك نماذج بشعة أخرى سنتطرق لذكرها لاحقا!
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق