بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 24 أغسطس 2013

يوميات - مصر الثابتة تتحرك محمد علي فرحات

 الإثنين 19/8/2013: اعتذار
منحوتة لآدم حنين
أعتذر.

تستغرقني حرائق بلادي المسماة سياسة، فلا أتصل بك هاتفياً. ولا أريد لصوتي الرجراج أن يخدش سمعك الرهيف. أريده صوت لقاءاتنا لا صوت الانقطاع، صوتاً يشبه صوتك، عدا خشونة تفاحة آدم التي يطربك سماعها.
أعتذر،
وأنا الذي أحتاج، ففي منفاي الوطنيّ أفتقد صوتك، بل أطلب مجرد لهاثك أو غنائك من بعيد، لتضجّ دورة حياتي.
الحب الذي يعطي والحرب التي تأخذ، وأنت العطاء يصلني بالصوت ولو من بعيد.

> الثلثاء 20/8/2013: جفاف
المخيلة التي تجف، تسقط منها المشاهد الجميلة، الحميمة، في الإقامة والسفر وتشكلات الأحلام.
المخيلة التي تجف، يتبخر ماؤها الحيّ، وتبقى حجارة البشاعات، رملها الذي لا يذوب.
كنا في أول الحرب نعتصم بمخيلتنا، نقفز بين الحطام والحطام بفرح من يرجو الحياة، يرى نورها في آخر النفق الطويل.
لقد استهلكنا المخيلة ولم يبق لنا سوى حجارة الواقع السوداء، من حريق طارئ أو من حريق أصليّ.
والآن، نحن أمام المرآة ولا نعرف هذا الذي نرى.

> الأربعاء 21/8/2013: الحروب الرخيصة
قبل أن تغزونا الحروب الرخيصة، تعلّمنا أن نوقف السيارة وننزل منها وننزع قبعاتنا إذا كان الفصل شتاء، احتراماً لجنازة تمرّ، جنازة امرأة أو رجل نجهلها ونجهله، لكننا ندرك جيداً أنها أو أنه إنسان مثلنا.
هؤلاء البشر مثلنا، بأعمارهم المختلفة، إناثاً وذكوراً، البشر الذين رأينا جثثهم أكواماً في غوطة دمشق، لم نفتح عيوننا جيداً إنما غضضنا البصر لأننا ننظر إلى مصيرنا بل إلى حالنا في الشرق، لا كرامة لإنساننا حياً أو ميتاً، بل هو مادة تجارة الزعماء (الذين نعلمهم والذين نجهلهم) حياً يصرخ في التظاهرات ويعلن ولاءه ولا يسأل، وميتاً حين يكوّمون جثثه للعرض، لاستدرار العطف بطريقة فاحشة، ويصل الأمر إلى الإمساك بطفل ميت أمام الكاميرا ليبدو أيقونة في طريق الفناء، ولن تعلق في معبد أو صالة عرض فنية.
نسمع أخبار الموت التجارية في السيارة ولا نوقف المحرك، نرى الموتى يملأون الشاشة ولا نتوقف عن التدخين. صار الموت عادياً، بل هو سلعة يتبارى في عرضها تجار الموت الذين هم أيضاً تجار سياسة.
من القاتل؟
هو كل من يخاطبنا قائلاً: نحكمكم أو نقتلكم.
ولكن، ليس مهماً الجواب بقدر ما المنظر هو المهم، حشد الأحياء وحشد الأموات من أجل سياسة هي لعبة القاتل والقتيل... لأننا:
لم نضع الإقامة في أرضنا، في ظلال أشجارنا، في بيوتنا الأبوية، معياراً أول للسياسة.
لم نضع أحلام أطفالنا معياراً للسياسة.
لم نضع حرية قولنا وسفرنا وعودتنا معياراً للسياسة.
لم نضع تنوعنا الديني والعرقي والثقافي القائم على الحرية والاعتراف معياراً للسياسة.
لم نضع...

> الخميس 22/8/2013: مصر التي تتغير
«إنها لحظة تاريخية نادرة لأقدم دولة مركزية في التاريخ». هذا ما قال صديقي أمين المهدي الذي يرقب من بيته في الإسكندرية حال الدولة المصرية.
ليس الرجل مطمئناً إلى ما يحدث، لا إلى الإخوان قائمين بالأمر ولا اليهم هاربين تلاحقهم أجهزة الأمن، ولا إلى خريطة الطريق التي أعقبت تظاهرات 30 يونيو التاريخية. يرى الأمر أكثر تعقيداً، وأن العقبات كثيرة أمام التحول من دولة عسكرية إلى دولة مدنية، عقبات يجتمع فيها العسكري والديني، ومعهما الإداري الذي اعتاد وجود دولة تخدم نفسها على حساب المجتمع.
ها هو المجتمع المصري يفلت من عقاله، بلا قيادة، وبوعي شقي من مثقفين يلهثون وراء الأقوياء ويعجزون عن الريادة، في وقت أشد ما تحتاج فيه مصر إلى مثقفين مسؤولين ومستقلين في آن معاً.
ولطالما هجست مصر باستقلالها، هي المجتمع المستقر والدولة الأكثر عراقة. بدأ الهاجس مع الاحتلال البريطاني أواخر القرن التاسع عشر ثم امتناع سلطة الاحتلال عن السماح بتمثيل مصر في مؤتمر الصلح في باريس الذي أعقب الحرب العالمية الأولى، وجرى خلاله توزيع الشعوب العثمانية، نعني العربية، على الانتدابين البريطاني والفرنسي. هكذا حرمت مصر من حقها في حكومة تحت سلطة المندوب السامي للدولة المنتدبة، كما تحققت في لبنان وسورية والعراق، على سبيل المثال. واعتراضاً على السلوك البريطاني السلبي تجاه مصر، وإعلاناً للهوية المصرية النازعة إلى الاستقلال، حدثت ثورة 1919، ثورة يتغنى بها المصريون إلى الآن ويعتبرونها الأكثر تعبيراً عن جماعتهم الوطنية.
في هذا السياق، نقرأ كتاب المارشال ويفل «اللنبي في مصر» (ترجمة علي إبراهيم الأقطش ومصطفى كامل فودة) الذي أعادت نشره هذا الشهر سلسلة «الكتاب للجميع» التي توزعها صحف عدة في العالم العربي.
من الكتاب هذا المقطع عن أجواء العام 1919، كما رآها قائد عسكري بريطاني:
«قبض على سعد زغلول في 8 آذار (مارس) 1919وثلاثة من زملائه ونُفي الجميع إلى مالطا، واشتعلت مصر كلها بالثورة في بضعة أيام. كان مظهرها الأول هجوماً غير منظم على المواصلات في أنحاء البلاد. لم يكن عدد الضحايا الأوروبيين كبيراً، وإنْ قُتل ثمانية من الإنكليز في ظروف بالغة الوحشية بينما كانوا مسافرين بالقطار من الأقصر الى القاهرة، وأعلنت يومها قصة هذه المأساة المحزنة. أما قصة هانم عارف - وهي ساقطة من ملوي - فلم تعرف كما ينبغي، وربما لا نخرج بذكرها هنا عن الموضوع. حين وصل القطار ملوي وكانت جثث القتلى الإنكليز مكومة في إحدى العربات، قابلته في المحطة جماهير فقدت رشدها وراحت تجرّ خارج العربة جثة رجل كانت لا تزال به نسمة من الحياة مبالِغةً في التمثيل به. ولم يتحرك الشعور الإنساني في واحد من الجمهور المؤلف من ألفي شخص من جميع الطبقات، إلا في قلب هانم عارف، التي أبكاها المنظر فحاولت أن تحمي بنفسها جثة الرجل، لكنها ضُربت ونُحّيت.
وأثّر عملها الرحيم هذا في نفوس الجالية البريطانية أعمق الأثر ففتحوا قائمة اكتتاب لها. فكروا أول الأمر في إعطائها قطعة أرض، إلا أنها احتفظت بمميزات طبقتها، إذ فضلت الحلي واختارت سوارين غليظين من الذهب وخاتماً مهر باسمها، ثم أعطوها سواراً ثالثاً عليه كتابة مناسبة، وما بقي من الاكتتاب أخذته نقداً. وكان ما كتب على السوار: إلى هانم عارف، هدية الاعتراف بجميل عطفها على جندي بريطاني يحتضر في 18 آذار سنة 1919. إن الله يثيب فاعل الخير».

وهناك شخصية مصرية محيرة، ولذلك تطلبت من العناية نصيباً أكبر، هي الجماهير المصرية، فمصر بلد لا يستطيع الإنسان - ملكاً كان أو وزيراً - أن يعتمد طويلاً على رأيه العام، إذ هو مفاجئ سريع التغير في حماسته وفي غضبه. وان بلداً ترتفع فيه نسبة الأميين يكون أثر الصحافة فيه ضعيفاً إلى حد ما ونادراً ما يكون معتدلاً. وتصبح الخطب في المساجد والهمسات في المقاهي والإشاعات في الأسواق الوسائل التي تنتشر بها المعتقدات الشعبية وتثار بها العواطف. ولقد كانت الجماهير المصرية خطيرة في ثورانها الذي تفاجئ به وفي عنف تطرفها، لكنها احتاجت في العادة إلى قليل من القوة لإخمادها، بشرط أن تستعمل بسرعة وبحزم».


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق