المغاربة غاضبون من الخطاب الأخير للرئيس
الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الموجه إلى قمة أبوجا النيجيرية، والسفير المغربي في
الجزائر عاد إلى الرباط من أجل التشاور..
الخطاب الجزائري الأخير دعا إلى ابلورة
آلية لمتابعة ومراقبة حقوق الإنسان في إقليم الصحراء، باعتبارها ضرورة ملحة أكثر من
أي وقت مضىب.!! وهذا تدخل واضح في قضية حساسة ومصيرية بالنسبة للمغاربة..
وهكذا فإن المواقف الرسمية المغربية اعتبرت
ما بدر عن الرئيس الجزائري اتحريضا يكشف الوجه الحقيقي لسياسة الجزائر العدائية، والذي
طالما حاولت القيادة الجزائرية إخفاءه بتصريحات ماكرة ومضللة سعت من خلالها الظهور
بمظهر البلد الحريص على توثيق علاقات حسن الجوار وصيانة وحدة المصير المغاربي المشترك’..
طبعا، الجزائر التي تحتضن جبهة البوليساريو
الانفصالية فوق أراضيها لم تكن يوما ما محايدة في ملف الصحراء وإنما كانت طرفا أساسيا
في هذا الملف ودعمت فكرة الانفصال بالمال والسلاح، كما وضعت خبرتها الدبلوماسية في
خدمة أطروحة الانفصال.
هل معنى ذلك، أنه ليس من حقنا أن نحلم بمغرب
عربي كبير؟
مقومات التكامل بين بلدان المغرب العربي
موجودة رغم سيادة العديد من العوامل المسؤولة عن إخفاق التكامل في المنطقة أهمها راجع
إلى طغيان الخلافات السياسية الثنائية..
داء العطب قديم، والعلاقات السياسية بين
أقطار المغرب العربي تميزت منذ مرحلة الاستقلال بالتوتر والتصعيد، وتفسير هذه الخلافات
مرتبط بالتناقضات الحاصلة بين طبيعة الأنظمة السياسية آنذاك في المنطقة والتي غذتها
في نفس الوقت الخلافات الحدودية التي كانت موضع مواجهة بين الجزائر وليبيا من جهة والمغرب
وموريتانيا، والمغرب والجزائر من جهة ثانية..
هذا الخلاف الأخير انفجر في حرب الرمال
الشهيرة التي لازالت تمثل عقدة حقيقية لدى القيادة العسكرية بالجزائر، لكن الخلاف حول
نزاع الصحراء والذي يعد استمرارا للوضع الخلافي المغربي ذ الجزائري هو الذي استقطب
ذ خلال الثلاثين سنة الأخيرة حدة الصراع داخل المنطقة.
ومن المؤكد أن العلاقات البينية المغاربية
لم تشهد استقرارا منذ استقلال دول المغرب العربي ، فالعلاقات في الفترة الفاصلة بين
بداية الستينيات ومنتصف السبعينات، شهدت مواجهات عسكرية وقطيعة دبلوماسية بين المغرب
والجزائر، وبعد ثمانينيات القرن الماضي لم تكن العلاقات الجزائرية الموريتانية على
ما يرام، بل أكثر من ذلك دخلت المنطقة في سياسة المحاور بعد توقيع المغرب لاتفاقية
التعاون العربي الإفريقي بين المغرب وليبيا سنة 1984. وبالتالي فإن العلاقات لم تكن
بأحسن حال قبل الإعلان عن ميلاد اتحاد المغرب العربي سنة 1989.
وإجمالا، إذا كان تأسيس اتحاد المغرب العربي
مدعاة لتطبيع العلاقات الثنائية مغاربيا، فإن هذه العلاقات لا تزال تتأرجح بين استمرار
رواسب الغموض، والتشكك والحذر بسب طغيان الخلافات السياسية.
وفي اعتقادي الشخصي أن تعثر مشاريع التحول
الديموقراطي في المنطقة ـ مع تفاوت بين دول المغرب العربي على هذا المستوى ـ كان له
الأثر البليغ على تعثر مشروع الوحدة المغاربية، ذلك أن الخلاف ليس بين الشعوب ولكنه
خلاف بين الأنظمة السياسية الحاكمة.
غير أن التطورات السياسية السريعة التي
شهدتها المنطقة بعد اندلاع دينامية الربيع العربي، وبعد سقوط نظامين دكتاتوريين في
المنطقة، وبعد التحولات السياسية الواضحة في المغرب، فإن الجزائر لازالت تعيش تحت قبضة
العسكر منذ إيقاف المسار الديموقراطي في بداية التسعينيات، وهو ما يعطينا الحق لوضع
الفرضية التالية: إن تململ قطار الوحدة المغاربية رهين بالانتقال الديموقراطي في الجزائر..
في انتظار ذلك فإن تكلفة اللامغرب العربي
الموحد تبقى في ارتفاع مستمر..
فبالرغم من توفر المغرب العربي على الإمكانات
الاقتصادية الملائمة لقيام وحدة اقتصادية، فإن الاتحاد الأوروبي لازال يستحوذ على النصيب
الأكبر من التجارة الخارجية لدول المغرب العربي.
وتجدر الإشارة إلى أن قلة تنوع اقتصاديات
المنطقة يشكل عقبة أمام تنشيط التجارة البينية ويجعلها متذبذبة حسب التقلب الحاصل في
التجارة الخارجية، وهو ما استغلته أوروبا لفرض شروطها في اتفاقياتها مع دول المنطقة
مما أدى إلى انخفاض المبادلات التجارية البينية المغاربية وغياب أي تشجيع ملموس للاستثمارات
البينية المغاربية وضعف هياكل المبادلات التجارية..
إن كل هذه العوامل مجتمعة، أسهمت في غياب
أجواء ملائمة لقيام تعاون اقتصادي متكامل بين أقطار المغرب العربي لمواجهة تحديات المنافسة
الأوروبية والعولمة الاقتصادية التي اشتد تأثيرها بعد انتهاء الحرب الباردة ومع اشتداد
الأزمة المالية العالمية.
إن التوتر الأخير بين المغرب والجزائر يخفي
وراءه صراعا جيوستراتيجيا يتجاوز الخلافات السياسية البينية المرتبطة بعقدة الصحراء،
وهكذا يمكن اعتبار الموقع الجييوساسي المتميز للمغرب العربي كجزء من شمال إفريقيا،
وحوض البحر الأبيض المتوسط وقربه من أوروبا وامتداده جنوبا نحو القارة الإفريقية، بمثابة
محددات رئيسية في إدراك حجم التفاعلات الإقليمية في المنطقة حاليا، سواء تعلق الأمر
بالجوار الأوروبي أو بالمنافسة الأمريكية الأوروبية للحصول على مواقع النفوذ أو ما
يرتبط بالحوار مع منظمة شمال الحلف الأطلسي (الناتو) وأخيرا ما يتعلق بمسلسل التقارب
مع إفريقيا جنوب الصحراء عبر آلية المبادرة الإفريقية الجديدة للتنمية المعروفة اختصارا
-بالنيباد- أو عن طريق التجمع الإقليمي الجديد الذي يضم دولا من المغرب العربي والساحل
والصحراء والذي يطلق عليه تجمع (سين- صاد) أو مجموعة الساحل والصحراء..ومن المؤكد أن
مضاعفة تركيز المغرب على العمق الإفريقي في سياسته الخارجية في السنوات الأخيرة يمثل
إزعاجا حقيقيا للساسة الجزائريين..
من خلال ما سبق تتضح حجم المصالح المشتركة
بين دول المغرب العربيٍ، وتبرز الإمكانيات الموضوعية والمؤشرات العملية التي بإمكانها-إذا
توفرت مجموعة من الشروط-أن تسهم في تحويل منطقة المغرب العربي إلى قوة إقليمية ذات
رهانات استراتيجية كبرى. بالنظر إلى المؤهلات الاقتصادية والثروات المعدنية والموقع
الجغرافي الذي تتميز به المنطقة، فضلا عن القوة الديموغرافية الهائلة. مع استحضار حجم
المعوقات والتحديات والرهانات الجيوسياسية التي تستهدف المنطقة.
من هذا المنطلق، هناك حاجة ملحة لدراسة
مختلف العناصر السابقة واستشراف السيناريوهات الممكنة لمستقبل المغرب العربي على المدى
القريب والمتوسط والبعيد، وذلك اعتمادا على المعطيات المتوفرة في الوقت الراهن والتي
تشمل المتغيرات والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي مست أقطار
المغرب العربي في الآونة الأخيرة، والتي تعبر عن ديناميات محلية في طور التبلور، وربما
تساهم في تسريعها طبيعة الارتباطات المرتهنة بمشاريع الدول العظمى في المنطقة، باعتبارها
منطقة تنافس وبناء نفوذ استراتيجي بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية من جهة والدول
الاستعمارية السابقة في المنطقة وتحديدا فرنسا وإسبانيا من جهة أخرى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق