بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 6 نوفمبر 2013

محاكمة مرسي أو «شاهد ما شافش حاجة» سحر مندور

تأخّر بنا الوقت حتى رأينا صور محمد مرسي يُحاكم. دخل القاعة وخرج منها صباح أمس الأول، على وقع الخيال. قالوا إنه لم يرتدِ لباس المساجين الأبيض، فتخيّلناه يرفض ارتداء الأبيض، ثم بالأبيض، ثم بالبدلة المعتادة. الخيال هنا أغنى من الصورة لو أتت بالبث المباشر. ثم قالوا إن القاضي أوقف المحاكمة لحين يخلع «المتهم» بدلته العادية ويرتدي البيضاء، كما رفعها بسبب الفوضى التي شابت القاعة. لكن مرسي قال إنّه الرئيس الشرعي وإنّ القاضي باطل، هو لا
يعترف بالمحاكمة، ويتوق لإنهاء «هذه المهزلة» وعودة الأمور إلى شرعيتها، والرئاسة إلى «جماعتها». هنا، بدأ المشهد يتّخذ بعداً آخر، يميل بشيء نحو الكوميدية، وبشيء آخر نحو التراجيدية. في الكوميديا داخل قاعة المحكمة، لا مفرّ من استحضار ذكريات مسرحية «شاهد ما شافش حاجة»، حيث القاضي يسأل في ناحية والشاهد يجيب في أخرى، كما مرسي في علاقته بالحاضر. أما التراجيديا فسببها الرئيسي حال المريدين. ويأتي خبرٌ عبر الصفحة الرسمية لحزب «الحرية والعدالة» عن لجنة الدفاع «غير الموكلة» الدفاع عن مرسي، وإنما عن زملائه في «الجماعة» وفي الرئاسة، لأنّه هو لا يرى لذلك حاجةً، كونها «مهزلة» وهو رئيس.
المشهد اكتمل هكذا في الذهن، قبل أن تظهر صور الفيديو الرسمية عن الجلسة الأولى. فقد تعاونت وسائل التواصل الحديثة لتصنع ذلك على أكمل وجه، وليس على مستوى المشاهد الفردي فحسب، وإنّما أيضاً في الوسائل الإعلاميّة التقليديّة الضخمة. فشبكة «بي بي سي» مثلاً خصصت صفحة على موقعها العربي لمتابعة مجريات المحاكمة، وتوالت عليها الأخبار من مصادرَ لكلّ منها أيقونة صغيرة ترافقه وتبرز طبيعته. والمصادر هي: مكتب «بي بي سي» في مصر (شعار «المزدوجين» للدلالة على الثقة)، و«الخبر العاجل» من جهة إعلامية تعتبرها الهيئة البريطانية مسؤولة عن كلامها كـ«التلفزيون المصري» (شعار البرق)، ثم تغريدات «تويتر» (شعار العصفور)، وتصريحات «فايسبوك» (شعار الموقع)، بالإضافة إلى فيديوهات «يوتيوب».
عندما ظهرت الصور الموحّدة التي وزعت عبر «التلفزيون المصري»، رأيناه يفعل ما قيل إنه فعله: ينزل من السيارة، يقفل أزرار السترة، يتقدّم مثلما كان يتقدّم وهو الرئيس، يتحرّك في القفص بما يتناقض وجماد حسني مبارك فوق سريره، يبتسم أو لا يبتسم، لم يكن واضحاً في حركته، كعادته. خلفه في القفص ظهر زملاؤه يرتدون الأبيض، يديرون الظهور إلى الكاميرا، ويرفعون إشارة «رابعة» للكاميرات. تلك الإشارة.. لو كان اسم الميدان «سهى العدوية» أو «ميدان العبور» أو «الإسعاف» مثلاً، كيف كانت لتكون يا ترى؟ المهم.. تحوّلت القاعة إلى فوضى يشارك في صناعتها المحامون، فرأينا المختصر عمّا جرى، وكان مفيداً للتأكيد على ما قيل، كما لحفظ الصورة الموحّدة في البال، بدلاً من صور ولّدها خيالُ كلّ منا. وكان الخيال ليكون أشد إمتاعاً، لكن المسألة خبرية.
في محاكمة حسني مبارك، كانت بالتأكيد الصورة أقوى بما لا يُقاس. لا لطول مدّتها على الهواء، وإنّما لوقع الصورة الوحيدة في كلّ نفسٍ مصرية وعربية. رجلٌ أتى بقوة الجيش وبدفع اغتيال الرئيس السابق، وبقي في صناعة حاضر مصر لعقودٍ وُجدت في آخرها أمٌّ تحمل طفلها على يدها، تقول في شوارع يناير 2011: لم أعرف رئيساً غيره، لا أريد لإبني أن يراه. وإذ بها تراه سجيناً، بالأبيض الذي ارتدته العائلة مباشرةً على الهواء. كانت لحظة من التاريخ التزم بها مبارك، إذ قال: «موجود يا افندم» للقاضي، لتكون آخر العبارات التي سمعها منه الشعب حتى حينه، ولم يكن يتصوّر أنه سيسمعها منه يوماً. تلك كانت لحظةً تاريخية، تلك كانت المحاكمة التي تنظر إليها العيون لتصدّق فحواها.
أما مرسي فرئيسٌ حكم مصر لسنة، وعُزل بقرار شعبي وعسكري في آن. قرارٌ له مناهضوه الكثر، ورئيسٌ شرعي في عيونٍ كثيرة، خونة وعملاء وكفرة يتربصون به، وأصابعٌ أربع تختصر ذلك كله. ومهما كان حجم الأذى الذي أرساه حكم جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، ومهما كان حجم شرعيته، ومهما كان حجم التضخيم الإعلامي، ومهما كان الجيش شرساً، فإن الصورة الآتية من محاكمة الأمس لم تكن للحظةٍ تاريخية، لم ترتعش لها أبدانٌ، لم تصح لأجلها الحناجر بانفعالية: «تحيا مصر». لقد كانت صورةً هامّة من صور المرحلة التي تلت خلع مبارك، وقد موّهت أهميتها خفّة الحكايات التي رافقتها، إن على مستوى «ملابس الرئيس»، أو على مستوى «أنا الرئيس».


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق