التقى وزير الخارجية الأميركية جون كيري،
أمس، في القدس المحتلة وبيت لحم على التوالي مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو
ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في محاولة لإخراج عربة المفاوضات من أوحال الجمود.
واصطدم كيري فوراً بأزمة جلسة المفاوضات التي كانت انتهت أمس الأول، في القدس بمعارك
كلامية بين فريقي التفاوض تواصلت في محادثاته مع أبو مازن ونتنياهو. وحاول كيري امتصاص
غضب السلطة الفلسطينية من استمرار التوسع
الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس عن طريق
الإعلان عن أن «المستوطنات غير شرعية ويجب الحد منها»، وكذلك قدم وعداً بمعونة للسلطة
بقيمة 75 مليون دولار. ويبدو أن كيري دفع للإسرائيليين بالمقابل بالعملة الإيرانية
من خلال التأكيد على تقارب المواقف وتفهم أميركا للمواقف الإسرائيلية الحادة بهذا الشأن.
وفي ختام لقائه بعباس في بيت لحم أعلن كيري
أن المستوطنات تثقل على محادثات السلام بين الطرفين. وأضاف أن «تواصل الولايات المتحدة
إيمانها بأن المستوطنات ليست شرعية ويجب الحد منها قدر الإمكان لخلق مناخ لمواصلة فعّالة
للمحادثات». ويشكل هذا الإعلان إرضاء لفظياً للسلطة الفلسطينية، التي ترى أن إسرائيل
تواصل فرض الوقائع على الأرض غير آبهة بمسار المفاوضات. وتؤمن السلطة الفلسطينية أنه
ينبغي السماح لها بمواصلة مساعيها في المحافل الدولية ضد المستوطنات ومن أجل فرض المقاطعة
على المتعاملين معها. ومعروف أنه تجري في أوروبا حملة دولية لمقاطعة المستوطنات، وأن
إسرائيل تعتبر دور السلطة فيها تحريضاً وعملاً من جانب واحد مرفوض في فترة المحادثات.
ورفض كيري تلميحات إسرائيل بوجود تفاهم
مع الفلسطينيين بشأن الاستيطان، وقال «أريد أن أوضح بشكل جلي أن الفلسطينيين لم يوافقوا
في أي مرة خلال السعي للعودة إلى المحادثات على أن يتغاضوا بشكل ما عن مسألة المستوطنات
أو يقبلوها».
وشددت مصادر فلسطينية على أن لقاء عباس
مع كيري تناول، عدا مسألة الاستيطان والمعونات الأميركية، مجريات المفاوضات الجارية
برعاية أميركية والتي بلغ عدد لقاءاتها حتى الآن 16. وشدد عباس على التزام الفلسطينيين
بمسار التفاوض لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. وعرض المصاعب،
التي لا يزال الفلسطينيون يعانون منها جراء الاحتلال، والعقبات التي تضعها حكومة نتنياهو
أمام تقدم المفاوضات.
وقد أشار كيري إلى أجواء الخلافات الإسرائيلية
ــ الفلسطينية بعد لقائه مع عباس عندما قال إنه متفائل بشأن فرص التغلب على المصاعب
حتى «بين شعبين فخورين» يتصارعان وأنه «كما في كل مفاوضات هناك مد وجزر، لكننا عازمون
على محاولة تحقيق سلام يحفظ المنطقة. برغم المصاعب، نحن مقتنعون أن الزعيمين، نتنياهو
وعباس، يصرّان على التقدم نحو هذا الهدف». وأوضح كيري أنه أخذ تعهداً من عباس بالتزامه
مئة في المئة بالمفاوضات، وبعدم التوجه إلى الأمم المتحدة لطلب نيل الاعتراف بالسلطة
كدولة إلا بعد انتهاء المفاوضات.
وتجدر الإشارة إلى أن تظاهرة ضمت عشرات
الشبان الفلسطينيين احتجت على زيارة كيري وعلى ما اعتبرته انحيازاً أميركياً لإسرائيل.
وطالب المتظاهرون بوقف الاستيطان ووقف المفاوضات، وحاولوا اعتراض طريق قافلة كيري،
إلا أن قوات أمن السلطة حالت دونهم.
وبعد لقائه عباس عاد كيري إلى القدس للاجتماع
إلى الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، الذي قال إن «ثمن تحقيق السلام يرتفع في كل يوم
وأن الوقت ينفد». ومن جهته، قال كيري لبيريز إن «البديل في غياب السلام هو الفوضى.
لا يمكنكم العيش في ظل الحرب».
وكان كيري قد اجتمع أيضاً مع نتنياهو، الذي
بدأ اللقاء بكيل الاتهامات للفلسطينيين الذين «يتهرّبون»، بحسب قوله، من «القرارات
التاريخية». وركز نتنياهو في الجانب الأول من لقائه مع كيري على المسألة الإيرانية،
ولكنه لم يفلح في تجنب المسألة الفلسطينية. وقال «أنا أريد السلام. كذلك إسرائيل تريد
السلام مع الفلسطينيين. قبل ثلاثة شهور اتفقنا على شروط ابتداء المفاوضات، وأنا ملتزم
بها بشدة».
ولكن نتنياهو أقر بدخول المحادثات مرحلة
الأزمة حيث قال «أنا قلق من وضع المحادثات، لأن الفلسطينيين يواصلون التحريض، وخلق
الأزمات المصطنعة، ويواصلون التهرب من القرارات التاريخية الضرورية لصنع السلام الحقيقي»،
مضيفاً، في مستهل اللقاء، «آمل أن تساعدنا زيارتك في توجيه المحادثات إلى مكان نستطيع
فيه تحقيق سلام تاريخي نتطلع إليه، والشعوب هنا تستحقه».
وخلال مؤتمره الصحافي مع نتنياهو، أقر كيري
بأن المفاوضات اصطدمت بمصاعب وتحدث عن الحاجة الى «تنازلات حقيقية وقرارات صعبة» من
الجانبين، إلا أنه كرر ما يؤكده دائماً أن «الرئيس (الأميركي باراك) أوباما يرى الطريق
الى الامام مثلما أراه أنا، ونحن نشترك في الايمان بهذه العملية والا ما كنا نوليها
وقتاً».
وكانت إسرائيل قد اتهمت الفريق الفلسطيني
المفاوض باصطناع أزمة بسبب احتدام السجال بين الفريقين حول استمرار الاستيطان. وبلغت
الأمور ذروتها في جلسة كانت الأخيرة، وعقدت امس الأول في القدس الغربية بمشاركة أعضاء
الوفدين المفاوضين برئاسة صائب عريقات وتسيفي ليفني، وبمشاركة محمد اشتية والمحامي
اسحق مولخو. وبديهي أنه لم يرق للإسرائيليين إعلان الطاقم الفلسطيني أنه لا يمكن مواصلة
المفاوضات في ظل استمرار الاستيطان في الضفة الغربية عموماً وفي القدس خصوصاً.
ومن المهم معرفة أن المفاوضات لا تثير الكثير
من الاهتمام لا في الجانب الإسرائيلي ولا في الجانب الفلسطيني. وبعدما كانت استطلاعات
الرأي الإسرائيلية أفادت بأن أكثر من ثلثي الإسرائيليين لا يأملون شيئاً منها، وجد
استطلاع فلسطيني أن 70 في المئة من الفلسطينيين يتوقعون فشل المفاوضات، وأكثر من نصفهم
يتوقع نشوب انتفاضة ثالثة.
"السفير"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق