وبعد
العصر العباسي، حصل انقطاع طويل امتد حتى القرن التاسع عشر، حين عرفنا رحلات شهيرة
منها رحلة أحمد فارس الشدياق إلى باريس، ورحلة رفاعة الطهطاوي الشهيرة «تخليص
الإبريز في تلخيص باريز»، التي تمت بتكليف من محمد علي، ورحلة سليم بطرس إلى
مالطا، ليعقبه انقطاع آخر غطى مرحلة طويلة من القرن العشرين وما يزال.
من
هنا، لا بد أن يفرح المرء حقا بمشروع «ارتياد الآفاق» الذي أطلقه المركز العربي
للأدب الجغرافي، الذي يحتفل هذه الأيام بمرور عشر سنوات على تأسيسه بالتعاون مع
«مؤسسة دبي الثقافية»، في محاولة جادة لوصل ما انقطع، وبعث الحياة في أدب الرحلة،
وإدخاله جنسا مستقلا بذاته إلى خارطة السرد الأدبي. وقد نشر هذا المشروع - الذي لم
يحظ باهتمام واسع للأسف ربما بسبب النظرة الفوقية لقسم كبير من كتابنا، الموروثة
منذ حقب طويلة لهذا النوع من الأدب - 328 كتابا، موضوعا ومترجما، وعددا ليس قليلا
من المخطوطات القديمة والوسيطة التي تنتمي إلى أدب الرحلة والأدب الجغرافي عموما،
ونظم ندوات متخصصة في أكثر من بلد عربي، بالإضافة إلى تخصيص جائزة سنوية باسم
جائزة «ابن بطوطة»، التي فاز بها 61 كاتبا بدءا من عام 2003. وقد وسعت مجالات
الجائزة في السنوات الأخيرة، فشملت أدب اليوميات أيضا، وهو الآخر غائب من نتاجنا
الثقافي للأسف.
هل
يمكن أن نتحدث الآن عن «أدب جغرافي»، أو إعادة بعث لهذا النوع من الأدب ليشكل نصا
له حضوره إلى جانب أشكالنا التعبيرية الأخرى؟ هل يمكن أن نتحدث عن «أبناء بطوطة
المعاصرين»؟ الوقت ما يزال مبكرا بالطبع. ولكن الأهم أن نتحرر من نظرتنا القاصرة لهذا
الشكل التعبيري الغني، الذي عرفته وواصلته كل الأمم المتطورة، باعتباره نصا حيا عن
الآخر، وطريقا لحواره ومعرفته، وبالتالي معرفة أنفسنا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق