بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2013

المسرح والعنف في الواقع الراهن - حسب الله يحيى

من المعروف جيداً .. ان المسرح خطاب سلام، فما الذي يجمعه بخطاب العنف والارهاب والتدمير والفوضى ؟ نعم .. المسرح خطاب سلام ونظام وعقل ومتعة راقيةكذلك،فيما العنف قائم على انتفاء لغة الحوار مع الآخر،

والعملعلى الخلاص منه خلاصاً تاماً وبشتى السبل . من هنا نجد ومنذ فجر البشرية ان قتل قابيل لأخيه هابيل، كان قائماً على عجز وغياب جسور التفاهم بينهما، وفي ظل هذا الغياب حضر العنف مجسداً بالقتل، ذلك ان العجز عن ارادة الحوار وعلى وفق السبل الانسانية السلمية، لا تقابله إلا إدارة تتجرد من إنسانيتها، إرادة قمعية تتخذ من الادوات الجارحة والحادة والمسيئة للأنسان، لكي تقطع كل تواصل وتفاعل وتفاهم وتلاقح وانسجام ومحبة. 

إن المسرح .. فن المحبة والحياة والبناء والحوار والمناقشة العقلانية المتأنية، فيما العنف.. اداة غليظة لاغتيال الحياة بكل ما تحمله من عطاء واجتهاد وفرح . 

إنه ضد العتمة التي تكمن في دواخلها الكراهية والحقد وتصفية الآخر، بعد العجز عن اصلاح الجفاء والخلاف، وتحويلها الى مجرد اختلاف في الرؤى وليس تقاطعاً كلياً معهما ان قوة المسرح.. حكمته حجته السلمية، وقناعته الكلية، وموقفه الواضح من الانسان والعالم المحيط به . فيما العنف، استخدام مادي ضاغط وخالٍ من الشرعية القانونية المنظمة.. ويؤدي اعتماده الى حالة من الفوضى والعدوانية والعدائية في سعي شرير الى الاساءة للأفراد والجماعات لأي نظام قانوني شرعي قائم.. و(( لأن كان الرابح هذا الطرف او ذاك- كما يقول حنه أرندت في كتابه (في العنف) ترجمة ابراهيم العريس- ؛فأن الصراع سيسفر عن نهاية الاثنين)) ذلك ان هذه (( لعبة لايقوم هدفها (العقلاني) في إحراز النصر؛ بل في ردع الطرف الآخر، أما سباق التسلح الذي لم يعد يرمي الى الاعداد للحرب؛ فان مبرره الوحيد اليوم، إنما يقوم في الواقع على المزيد من الردع ليكون خير ضامن للسلام )) . 

ولا يكفي هذا التوجه المسلح لوحده لتحقيق وفرض إرادة السلام، وإنما لابد له أن يكون مرافقاً ومنسجماً وعلى صلة وشيجة ومتينة من الخطاب السلمي، الذي يعد فن المسرح رافداً مهماً من روافده . 

ذلك ان مسرحية (العادلون) لألبير كامو مثلاً، واجهت العنف الثوري بالطفولة، فالثورة لاتجرؤ على قتل براءة الطفولة . 
ومسرحية (مكبث) شكسبير أويونسكو، لا تتقصد أوترصد إلا الشخصية القاتلة بعينها لتعد محور الجريمة وبؤرتها التي لابد أن تتأصل . 
ومسرحية (ماراصاد) أو (حديث من فيتنام) لبيتر فايس، لايراد منهما إلا الدفاع السلبي عن العناصر الآثمة التي تتقاطع كلياً مع مصالح الشعوب، وصولاً الى إدانة قوى العنف . ان ما يسمى بـ ( العنف الثوري) بات يشهد تحولات جادة وجديدة امام العالم الذي بات يتجه نحو البناء الديمقراطي السلمي.. لذلك لم تعد هناك ثورات مثل الثورة الفرنسية او الثورة البلشفية في روسيا، بوصفهما من الثورات التي استخدمت العنف الدموي الذي راح يصفي بعضه البعض الآخر، حتى اصبح جملة كوارث حلت بالشعبين الفرنسي والروسي . 
من هنا أصبحت (مساندة الشعب هي التي تؤمن السلطة لمؤسسات أي بلد من البلدان، وهذه المساندة ليست سوى استمرارية للتوافق الذي اوجد القوانين القائمة، في وضعية تقوم فيها بالحكم حكومة تمثيلية، من المفروض ان يكون الشعب هو الذي يحكم اولئك الذين يديرون شؤونه) على حد قول حنه ارندت . 
وفن المسرح، من شأنه ان يرقى بهذا المعطى الفكري ويتعامل معه درامياً، وصولاً الى الحجة المنطقية والبرهان المتين، على العكس من اساليب العنف التي تقتل الواقع في الصميم وتحوله الى رماد فكيف يمكن للرماد ان يتحول الى عنصر جديد ينقلنا الى المستقبل الذي يزعم الارهابيون ان العنف هم السبيل الوحيد للتغيير ؟ 
صحيح ان للعنف اسبابا قد تبدو لأول وهلة مشروعة ومنطقية ومقبولة بوصفها منطوقاً للحياة اليومية كالعوامل الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية؛ الا ان هذا المنطوق تنتفي اهميته عندما يمارس القتل الذي يعد اضمحلالاً كلياً لتلك العوامل. 
إن تفشي البطالة والامية وتدهور الاقتصاد وتفكك العلاقات الاجتماعية، وفقدان الثقة بالآخربسبب الفساد المستشري على نطاق واسع، وغياب الدور الفاعل للمثقفين، والصراعات السياسية التشهيرية والفضائحية؛ لايمكن حلها بأساليب تتجاوز على القوانين والانظمة، ولا باستخدام المفخخات والاسلحة الكاتمة، وعلى إعمام الفوضى في البلاد..؛ وإنما يمكن حلها بالعقول التي ترجح ارادة السلام على ارادة العنف، والحوار الحضاري ليكون بديلاً عن قمع الآخر وتصفية وجوده.. 
وفن المسرح، بما يحمله العاملون فيه من عقول تصطفي السلام والوئام والحوار والمحبة وتنشد المتعة المصفاة، يمكن له ان يحبب الحياة لمشاهديه، مثلما يخاطبهم بارادة الثقافات المتعددة التي تتفق على مفهموم واحد يستمد وجوده من السلام للوصول الى قناعات تؤدي بالنتيجة الى اصلاح الاخطاء وتغيير الرديء والمتخلف الذي يتقاطع مع رفاهية البشر وعيشهم الرغيد، بعيداً عن أي عمل يتخذ العنف سبيلاً للحل، بوصفه عملاً منحرفاً وطارئاً على الطبيعة البشرية.. ذلك ان البشرية، لايمكن ان تحيا بعزلة افرادها ومجتمعاتها، وشعوبها.. 

ان الانسان بطبيعته المعهودة.. يحمل طبيعة سلمية، لاتحيا الا بالسلام مع الآخرين، وأي خروج على هذا الواقع المادي، يعد انحرافاً لابد من معالجته بشتى السبل النفسية والتربوية والعلمية التي تؤدي الى متغيرات مكتسبة بالعقول الراجحة والقناعات السديدة.. التي تتجاوز الاحتدام العنيف والانتقال به الى تفاعل إنساني منشود.. بوصفه تفاعلاً يعتمد الرقة والرفق لا الاكراه والتخويف والقهر والقلق والرهبة وعدم الاستقرار النفسي واتخاذ الماضي الصدئ لمعالجة حاضر متعثر.. فالصدأ لايفلح في معالجة العثرات، والظلام لايفلح في المجيء بالشمس.. 

إن الصدأ والظلام مفهومان خارج المألوف واللامعقول، إنهما لايؤديان الا الى الفتن والحروب والاقتتال والعداون.. وكلها اساليب تلغي استقلالية الافراد ولا تحترم قناعاتهم وتطلعاتهم.. وهو ما يرفضه الانسان السليم والقويم والنقي، وبالتالي لايستجيب له الابداع ومنه المسرح الذي يعتمد التنسيق والانسجام ومن ضمنها ما يتعلق باستتباب الامن ومعالجة شؤون البطالة والفساد والصراعات الفئوية على الهويات.. 

نعم.. قد تستخدم الدولة القوة (بل هي لاتتخلى عن استخدام القوة، لكنها تستعملها لضمان عدم المساس بها وحماية مواطنيها وثرواتهم وليس لغرض نظام مثالي على الجميع) كما يقول تزفتيان تودوروف في كتابه (اللانظام العالمي الجديد) ترجمة محمد ميلاد . 
إن (الدولة تحتكر العنف حتى تضمن أمن الافراد) كما يقول الدكتور علي الوردي في كتابه (طبيعة المجتمع العراقي) . 
الا أن تودوروف والوردي معاً، كان لابد ان يوضحا مسألة في غاية الاهمية، وهي ان الدولة لاتلجأ الى استخدام القوة والعنف، الا في مواجهتها لقوة وعنف يقابلها.. وفي حالة عجزها عن فرض إرادة السلم والتلويح بغصن الزيتون، فأنها تضطر بالنتيجة الى مواجهة القوة بقوة امضى، ذلك ان معالجة الحديد لايستوي الا بنار تقوى على صلابة الحديد والتعامل مع ليونته وعجزه وانكسار قوته من خلال سلطة القانون وفرض ارادته بالقوة لصالح المجتمع . 
وإذا كان لفن المسرح من دور في هذا الجانب، فأنه سيكون فاعلاً ومؤثراً في توضيح هذه الظاهرة درامياً وباساليب تنطلق من خلال الحواس والعقل معاً.. فالمرء لايستقيم إلا بما يدفع به وجدانه من احساس ورجاحة عقل ومن نباهة ووعي . 
هذا هو المطلوب اعتماده في مسرحنا العراقي راهناً .






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق