الظاهرة غير الصحية التي أشير إليها هي «اقحام» «المقدس» في الشأن السياسي العربي. حين يحدث هذا الاقحام –وهو حادث بالفعل الآن- ينتهي «الحوار السياسي» إلى آفق مسدود. أكثر من هذا فقد يؤول الأمر إلى صراع واتهامات شنيعة في غالب الأحيان إلى حد «التكفير»! نحن نعيش مرحلة غير مستقرة، نقسو فيها على الفكر المستنير. اليوم هناك وعلى امتداد المشهد السياسي العربي والإسلامي صراع واقعي تكفيري يُغلف خطابنا الإيديولوجي، وكما يشير المفكر والباحث د. طيب تيزيني، ثمة إصرار من بعض الفرقاء والجماعات على «جعل المقدس منغمساً في الأوضاع المادية السياسية وغيرها». وهذا يؤدي بالطبع –وكما نلاحظ اليوم- إلى احتدام الصراع الذي كثيراً ما يكون دامياً ينتهي بكوارث قومية، تستنزف «الاقتصاد» وتجعل المواطنين في هذا البلد العربي أو ذاك غير آمنين على حياتهم. حين ينتهي الخلاف في الرأي الى صراع وتراشق بالتهم من الوزن الثقيل تتراجع مصلحة الوطن، وتهيمن مصلحة الأفراد والنخب والجماعات.
حين ينخرط «الدين» في السياسة، وحين يحاول كل فريق إقصاء الفريق الآخر دون
وجه حق، فاقرأ على المجتمع –أي مجتمع- السلام! لا يعني هذا إقصاء للمرجعية الدينية ولكنه يعني عدم التطرف في فهم وتأويل هذه المرجعية.
حين دعا الشيخ علي عبد الرازق في كتابه الذائع الصيت «الإسلام وأصول الحكم» إلى فصل الدين عن الدولة، لم يكن لا دينياً وهو الشيخ الأزهري، بل كان يريد مجتمعاً انسانياً يوازن بين القيم الروحية والقيم المادية.
في كتابه «الفكر العربي في معركة النهضة» يورد الباحث والمفكر د. أنور عبد الملك هذه العبارة الدالة التي ينبغي أن يقرأها جميعنا بترو وعمق. «الإسلام هو بساطة الايمان بوجود مبدأ خالق أعظم هو الله، وإزاءه هناك المؤمنون والإنسانية. ليس هناك بين الله والمؤمنين وساطة ولا اكليروس ولا مؤسسات» (د. انور عبد الملك، المرجع السابق ص 136.)
إن الظاهرة غير الصحية التي تعم الكثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية هي غياب «المشروع الوطني» عن هذه المجتمعات. هي ترددنا – أو تردد الكثيرون منا- في مقاربة «العقلانية» إن في حياتنا السياسية أو غير السياسية.
ما نعيشه كعرب ومسلمين اليوم هو –وكما يقول المفكر الراحل محمد عابد الجابري- هو «صراع ايديولوجي يستغل فيه التاريخ والتراث أبشع استغلال من طرف القوات الرجعية والمستغلة».
ان استغلال التاريخ والتراث بالإضافة إلى شيوع الخطاب الإسلامي الديني غير المنفتح الذي يقصي «العقل» على نحو يتنافض مع محتوى النصوص الدينية المقدسة يؤدي إلى تنامي «التطرف الديني» وهذا ما نراه يضرب اجزاء كثيرة من بلداننا العربية والإسلامية. ولعلي لا أبالغ هنا إذا قلت إن التعليم الديني في كثير من بلداننا العربية والإسلامية مازال بحاجة إلى ترشيد غير معزول عن مجرى التاريخ، بمعنى ألا يتولاه أصحاب النظرة التقليدية المحافظة التي يرفض بعض معتنقيها نهج «المساءلة» من تلاميذهم هذا النهج الذي أقرّه الإسلام نفسه في عصر النبوة والعهد الراشدي. لا يجوز ان ظل النهج التقليدي هو المتبع في التعليم الديني والذي يعتبر اية مقاربة للحضارة العصرية عقوقاً للقيم الروحية.
في ديننا الإسلامي أشياء كثيرة يجب ان «تُتعلم» منها: التسامح وحسن التعامل مع العقائد الدينية السماوية الأخرى قبل ان تشوبها شوائب لم يشهدها لم يشهدها «التنزيل». إن مثل هذا النهج –كما أرى- من شأنه أن يساهم في خلق ذهنية منفتحة على تراث الآخر لدى الناشئة وبالتالي سيحول مستقبلاً من «الانغلاق» أو التشكيك مسبقاً في أية مفردة من مفردات الحداثة الإنسانية باعتبارها متعارضة مع قيمنا الدينية.
ما هو باد للعيان في مجتمعاتنا –غالبيتها على الأقل – انها تعادي حرية الفكر إن تناقضت أو انتقدت تصرفات بعض ولاة أمورها أو مسؤوليها، ولو أن هذه المعاداة القامعة بدأت إلى حد ما تتراجع –كما أرى- بعد «الربيع العربي».
أن الظاهرة غير الصحية التي مازالت مجتمعاتنا تعاني منها ان الكثيرين من «التقليديين» عندنا يعتبرون كل ما احتواه تراثنا –وكما يقول المؤرخ الراحل د. شاكر مصطفى في حوار أجراه كاتب هذه السطور معه قبل رحيله، هو «حلول جاهزة للمستقبل» متناسين انهم بهذه النطرة «يسيرون عكس الزمن».
«التراث نفسه لا يمكن ان يعود، لكن ينمّي نفسه من خلال ذاته، تماماً كما تنمو الشجرة حالاً على حال من خلال تكوينها».
أما المحاولات التي يحاول أصحابها قراءة هذا التراث دينياً وثقافياً فكثيراً ما يُرتاب في توجهاتها من قبل بعض ولاة الأمور، فيتم التضييق على أصحابها ومحاولة تشويه ما توصلت إليه هذه المحاولات من افتراضات او استنتاجات دون محاكمتها عقلياً!.
وأراني هنا اقف عند مفردات ممتلئة للمفكر الراحل د. محمد جواد رضا في حوار أيضاً اجراه كاتب السطور معه، وفيه يقول: «إن المتتبع للفن الحواري القرآني يستوقفه غياب لغة الأمر والنهي والإملاء، الماحاً إلى أن الإنسان لا يكوّن قناعاته تحت ضغط الإكراه أو الإرهاب. نعم هو قد يتظاهر بقناعات مُملاة عليه اجتناباً للأذى وحفاظاً على وجوده، لكن هذا التظاهر ليس كالتقبل اقتناعاً ناجماً عن محاكمة ورفض وقبول بالاختيار الحر في النهاية». (منتدى الفكر العربي «مرايا في الفكر المعاصر» ص 86، يوسف محمود).
يبقى أن أقول متى يشرح الله صدور بعضنا فيقرأوا تعاليم الإسلام قراءة معمقة، قرأءة يغيب عنها لغة الأمر والاملاء، ويحل محلها لغة «الحوار الراقي»؟