بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 23 يوليو 2013

عولمة اللامبالاة -ياسين العطواني -العراق



خلال قداس أقامه البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان مؤخراً، أثناء زيارته الى جزيرة صقلية الإيطالية، وحديثه عن معاناة المهاجرين الآتين من أفريقيا والمناطق المضطربة في الشرق الأوسط، أثناء محاولتهم عبور البحر المتوسط سعياً الى حياة أفضل في أوروبا، استوقفتني عبارة ذكرها الحبر الأعظم، عندما قال: (ان ثقافة الرخاء تفقدنا الإحساس بصرخات الآخرين وتؤدي إلى عولمة اللامبالاة). 
نعم لقد كان ولا يزال لعدم الاكتراث واللامبالاة التي أظهرها العالم، الأثر الكبير على معاناتنا المستمرة كبشر، خصوصا ً في بلدنا الجريح ، والذي كان له مشوار طويل مع الحروب والأزمات، وقد كانت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت لسنوات عدة، المثال الأسوأ في مفهوم اللامبالاة من قبل هذا العالم، حتى سُميت في حينها بالحرب المنسية، ففي الوقت الذي كانت فيه النيران مشتعلة طوال تلك السنين، وكان وقودها خيرة شباب العراق، كان العالم بين متفرج ولا مبالٍ، وهكذا الحال مع الحروب والأزمات اللاحقة التي مرت على هذه البلد الجريح . 
ولكن على ما يبدو، ان عولمة اللامبالاة هذه لا تنطبق على الجميع، فهنالك أحداث بسيطة، وقد تبدو تافهة عند مقارنتها بأحداث تقع في أماكن أخرى من العالم، ومع ذلك تقوم الدنيا ولا تقعد على وقع هذه الأحداث البسيطة، بينما نجد أنهارا من الدماء تسيل في مناطق محددة، وقد يبدو الأمر طبيعيا في نظر البعض، وتقتضيه ضرورات المرحلة، وأكبر دليل صارخ هو ما يحصل اليوم على الأراضي السورية، وهذا الحريق الهائل الذي يلتهم الأخضر واليابس من دون أي اكتراث من قبل هذا العالم المعولم .
وكان يفترض ان يضاف الاهتمام بمعاناة الآخرين الى إيجابيات العولمة، على اعتبار ان العولمة قد جعلت من العالم قرية صغيرة، مع وجود ثورة الإتصالات الهائلة، وبالتالي وجود هذ القرب الزماني والمكاني الذي يتيح  لنا  الشعور عن قرب بالمآسي الإنسانية التي تحدث هنا او هناك، إلا ان لهذه العولمة سلبياتها كما يبدو، والمتمثلة بهذه اللامبالاة وعدم الاكتراث بمآسي الآخرين عندما تصل بعض الشعوب الى مرحلة الهدوء والرخاء.
وهنا يمكننا ان نسحب هذه المفاهيم الى الحياة الإجتماعية، وبما اننا نعيش هذه الأيام الأجواء الرمضانية، بكل ما تعنيه من قيم وسلوكيات روحانية، فانه يجب علينا ان نستلهم من فضائل هذا الشهر الكريم مضامين القيم الإنسانية التي ميّزت هذه المناسبة، ومنها شعور الإنسان بأنه جزء من مجتمعه ومحيطه، وهذا الأمر لا يتحقق إلا عندما يشعر الإنسان بمعاناة الآخرين، وفي ظل المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي شهدها مجتمعنا وباقي المجتمعات في العالم، يتوجب علينا تعزيز وتعميم المفاهيم التي تدعو الى الاهتمام بمشاعر ومعاناة الآخرين، وتلمس احتياجاتهم سواء عن طريق العمل الفردي أو العمل الاجتماعي التطوعي، على ان لا يكون من باب العطف والشفقة، بل من باب التعبير عن الانتماء الوطني والمجتمعي، وهذه المفاهيم هي بالتأكيد قواسم مشتركة بين مجمل القيم الانسانية والروحية، وهذا ما كان يشير اليه بابا الفاتيكان في قداسه الأخير

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق