للمرة الاولى تجد السعودية نفسها
في مواجهة مباشرة مع إشكالات اربعة: محلية واقليمية وعربية ودولية. وإزاء هذه
الاشكالات تطرح التساؤلات حول مدى قدرة دبلوماسية البيت السعودي على التعاطي مع كل
منها بما يحقق اهداف الحكم الذي يعيش مرحلة صعبة بسبب هذه الاشكالات. وفي ظل
شيخوخة الجيل الاول من رموز البيت السعودي، وعلى رأسهم الملك عبد الله، يتصدر رئيس
الاستخبارات المشهد بشكل غير مسبوق، ويخرج السعودية من
دائرة االدبلوماسية الحذرة ليحولها الى احراك مغامر.
الامر المؤكد ان ما سيتمخض عن هذه الحراكات لن يكون محدودا، بل سيكون له أثر مباشر
في تحديد مستقبل نظام الحكم في الجزيرة العربية. ولهذا تتعاطى الرياض مع هذه
الإشكالات الاربعة بلحاظ واحد: وقف مسار التغيير الديمقراطي بأي ثمن لكي لا يصل
الى حدودها. فثمة حقائق عديدة تفرض نفسها على الواقع السياسي في هذا العالم
وتدركها السعودية كذلك: اولها ان العالم العربي له مصير واحد: فاما استمرار
الاستبداد فيه او التحول الى الديمقراطية، وهي لا تريد ذلك. وليس ممكنا وجود انظمة
متباينة في انماطها وايديولوجياتها السياسية، فالاختلاف ينعكس على علاقاتها وعلى
العمل المشترك ضمن الجامعة العربية وضمن مؤسسات المجتمع المدني التي لا يمكن منعها
من التواصل مع بعضها. ثانيها: ان مصر ستظل المصدر الاكبر للتأثير على المحيط
العربي، فان تحولت الى الديمقراطية فلن يستطيع احد منع اشعاعها الديمقراطي على
الواقع العربي، فكان لا بد من انهاء تجربتها القصيرة الامد لكي لا تنعكس على
المنطقة كلها. ثالثها: ان التوازنات الاقليمية اصبحت متحركة كالرمال العربية، وان
التغيير الديمقراطي لن يصب لصالح السعودية، خصوصا ان مشروع االاسلام السياسيب الذي
تعتبره مضرا بمصالحها ووجود نظامها السياسي حقق قفزات كبيرة ووصل الى الحكم في عدد
من الدول العربية، اولها مصر. رابعها: ان المزاج الدولي يرغب في حدوث
تغيير ديمقراطي ايجابي في المنطقة لكي لا تزداد احتقانا يؤدي الى تصاعد مظاهر
العنف والارهاب، ومنع ذلك الاحتقان يستدعي انفتاحا داخليا بين الانظمة والشعوب،
وهذا غير ممكن الا ضمن مشاريع اصلاح سياسي جدي يقضي على الاستبداد.
الرياض، تلك القوة الاقتصادية العظمى في الشرق الاوسط، وصاحبة المشروع الديني المؤسس على المنحى السلفي كما طرحه المرحوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحامية منظومة مجلس التعاون الخليجي، اصبحت اليوم في مواجهة الاشكالات الاربعة المذكورة، انطلاقا من شعورها بان بقاء منظومة الحكم السعودي مشروط بقدرته على تحييد قوى التغيير في محيطاتها الاربعة. وهي تؤسس استراتيجيتها لتلك المواجهة على اربع دعامات: اولاها التعاطي الصارم مع الاطراف الساعية للتغيير، سواء بدوافع ديمقراطية ام سياسية. ثانيتها: انها تعتقد ان المال النفطي المتوفر لديها يوفر لها تفوقا على مناوئيها الاقليميين، ويسهل مهمة التفاوض مع الاطراف العربية والدولية التي يسيل لعابها للمال السعودي. وبالتالي اصبح المال النفطي سلاحا في معركة الوجود، من وجهة منظومة الحكم السعودي. ثالثتها: ان الثقل الديني للسعودية عنصر قوة آخر يمكن توجيهه بما يخدم مصلحة الحكم، وان انتماءها السلفي يوفر لها اداة ضغط وتوجيه للتيارات السلفية التي أنشئت في العقدين الاخيرين. فقبل ذلك اتسمت السلفية بقدر كبير من السلبية والابتعاد عن الشأن السياسي، بينما تحولت الآن الى تنظيمات عسكرية قادرة على ممارسة العنف بدون حدود. وأصبح أغلب تيارات ذلك التيار محسوبا على ما يسمى االسلفية الجهاديةب. ويسجل لهذه المدرسة قدرتها على تعبئة اعداد كبيرة من الشباب المستعد للقيام بعمليات انتحارية ضد الجهات المستهدفة. رابعتها تكريس مقولة االدين في خدمة العرش’، للانطلاق في مجال شرعنة الحكم واضفاء القداسة عليه ضمن اطر دينية خصوصا ان خصوم الحكم السعودي ذوو اتجاهات دينية، سواء داخل المملكة ام على الصعيدين العربي (مصر، تونس، السودان) ام الاسلامي (ايران، تركيا). وللدين موقعه في الحياة السياسية العربية والاسلامية، وطالما تلاعب به اصحاب السياسة (من الذين لا يؤمنون بحاكمية الاسلام) ليكون احدى دعامات حكمهم.
الداخل السعودي ليس مستقرا، بل تتواصل فيه الاضطرابات بدون توقف. فاذا كان الحراك السياسي في المنطقة الشرقية محصورا بالمواطنين من المسلمين الشيعة، وبالتالي يمكن محاصرتهم باضفاء السمة المذهبية على احتجاجاتهم وتظاهراتهم التي تنطلق بين الحين والأخر، فان من الصعب محاصرة الحراكات الاخرى في الرياض والقصيم والمدينة التي ينحدر القائمون عليها من الخلفية المذهبية التي ينتمي اليها نظام الحكم. كما ان التوتر الامني الذي حدث قبل بضعة اعوام في نجران من قبل المواطنين من الطائفة الاسماعيلية كان له أثر في كشف بؤرة اخرى للتوتر الداخلي عمقت القلق ازاء مستقبل الحكم السعودي. يضاف الى ذلك ما يشاهد اليوم من حراك تتصدره المرأة الباحثة عن ابسط حقوقها متمثلا بقيادة السيارات. ولعل التحدي الاكبر ينطلق من المشاعر الغاضبة لدى عشرات الآلاف من العائلات اللاتي يطالبن باطلاق سراح ابنائهن المعتقلين بتهم الارهاب والانتماء لتنظيمات القاعدة وغيرها. وقد شهدت المملكة طوال الاثني عشر شهرا الماضية احتجاجات تطالب باطلاق سراح المعتقلين الذين يقدر عددهم باكثر من عشرة آلاف مواطن، بدون تهمة او محاكمة. ومع ان هذه المخاضات لم تبلغ حتى الآن مستوى مقلقا لداعمي الحكم السعودي، فانها ستظل مصدر قلق خصوصا لدى الجيل الثاني (احفاد الملك عبد العزيز) الذين يشعرون بانهم سيرثون حكما مثقلا بالاعباء والتركات السياسية الثقيلة. ويلاحظ انه بالرغم من ان الجيل الاول ما يزال يحكم، فقد طرأت تطورات مهمة اوصلت الاحفاد الى مراكز القرار. ويمكن القول ان السفينة السعودية اصبحت اليوم تحت قيادة احفاد عبد العزيز، وفي مقدمتهم بندر بن سلطان. ويمكن عزو الحضور السعودي في مجالات الامن والنفوذ الاقليمي والعلاقات الدولية الى هذا الجيل الذي يشعر بانه وصل اخيرا الى كابينة قيادة سفينة عملاقة اصيبت مفاصلها بالصدأ واطرافها بالترهل. أيا كان الامر، فليس صعبا ملاحظة التغير الذي طرأ على السياسة السعودية خصوصا في العامين الاخيرين.
على الصعيد المحلي تصدت اجهزة الحكم السعودي لكافة المجموعات المطالبة بالتغيير بقدر كبير من القمع اكدته منظمات حقوقية دولية. فعندما تقدمت السعودية بطلب العضوية لمجلس حقوق الانسان قالت منظمة العفو الدولية في 21 اكتوبر: ااثبتت الوعود التي قدمتها المملكة العربية السعودية للامم المتحدة انها ليست سوى هواء ساخن. انها تعتمد على قوتها الاقتصادية والسياسية لردع المجموعة الدولية من انتقاد ملفها السيء في مجال حقوق الانسانب.ت وبعد يومين قالت المنظمة: ايجب على السلطات السعودية احترام حق النساء في سياقة السياراتب. وفي الرابع من نوفمبر شجبت المنظمة الاجراءات السعودية ضد العمال المهاجرين الذين قتل بعضهم في احتجاجات حدثت هذا الشهر. وعندما اصدرت محكمة بمدينة جدة حكما بسجن المحامي وليد ابو الخير بالسجن عامين لتوقيعه عريضة تطالب باصلاحات، شجبت منظمة العفو الدولية ذلك القرار. وهكذا يتضح ان الملف الحقوقي السعودي يعاني من تراجع كبير يمثل تحديا للعالم الحقوقي الدولي خصوصا بعد ان اصبحت السعودية عضوا بمجلس حقوق الانسان. الرياض تواصل سياستها التقليدية القائمة على عنصر االاستباقب لمواجهة مصادر الاضطراب الداخلي ومنعها من القدرة على التنامي وتحدي النظام بشكل فاعل.
ويساعدها كذلك طابور طويل من خبراء العلاقات العامة ومجموعات الضغط لتفادي تبلور موقف دولي ضاغط في مجالات الاصلاح السياسي وحقوق الانسان.
وتواجه السعودية تحديات داخل مجلس التعاون، وان كانت لم تصل بعد الى تهديد المنظومة كلها. فثمة اختلاف مع دولة الامارات حول الموقف منسوريا، حيث تدعو الاولى الى حل سياسي وتستقبل المسؤولين السوريين وتتعاون مع بعض الشركات السورية. وموقف سلطنة عمان قريب من موقف الامارات. كما تواجه السعودية خلافا حدوديا مع الامارات خصوصا حول ملكية حقل االشيبةب الذي تعتقد الامارات انه يقع في اراضيها. والعلاقات مع ايران، هي الاخرى، مسألة خلافية داخل دول مجلس التعاون. ففي الوقت الذي تزداد علاقات الريض مع طهران توترا، تتواصل علاقات الامارات وقطر وعمان والكويت بايران برغم اختلاف مواقف بعض هذه الدول مع الجمهورية الاسلامية حول مشكلة سوريا والبحرين. ويتوقع ان تتصاعد حدة الخلافات مع السعودية داخل المجلس بسبب الخطاب المتشدد الذي يطرحه بندر بن سلطان. ويمكن القول ان التوتر بين السعودية وقطر تصاعد في الاسابيع الاخيرة بعد ان تدخلت السعودية لاقصاء الاخيرة عن التأثير في قلب الحدث العربي، فألغت كل ما ترتب على التدخلات القطرية في مناطق عربية شتى، منها مصر وسوريا. ولا يستبعد ان تمتد الذراع السعودية الى تونس وليبيا لمحاصرة النفوذ القطري الذي تعرض لضربة شبه قاضية بعد الاطاحة بحكم الاخوان في مصر واعتقال الرئيس المنتخب، محمد مرسي. ويمكن القول ان السعودية حسمت الموقف لصالح نفوذها بعد ان نجحت، بانقلاب صامت، في إقصاء الدولة الشقيقية العضو بمجلس التعاون، عن دائرة التأثير في البلدان التي شهدت ثورات شعبية في الاعوام الثلاثة الماضية. ولذلك ليس مستبعدا حدوث تصدعات كبيرة في العلاقات بين الدوحة والرياض، وتقارب أكبر بين الدوحة وطهران.
ويمكن القول ان الخلافات السعودية مع الدول الاقليمية تمثل الجانب الاخطر في ما يتصل بامن المنطقة. ويلاحظ هنا ان السعودية اصبحت اكثر جرأة علىت التصدي لايران وأكثر استعدادا للمواجهة برغم خطاب الرئيس حسن روحاني الهادف لطمأنة السعودية. وفي الاسابيع الاخيرة تصاعدت اعمال العنف في العمق الايراني بصورة غير مسبوقة. وما التفجير الذي استهدف السفارة الايرانية في بيروت يوم امس الا الحلقة الاخيرة في مسلسل طويل من الاعمال الارهابية التي استهدفت ايران.
ففي 25 اكتوبرت اغتيل 14 من عناصر الشرطة وحرس الحدود في منطقة بلوشستان على ايدي مجموعات متهمة بالعلاقة مع السعودية. وفي السادس من نوفمبر اغتيال موسى نوري قلعه نو،’ المدعي العام في مدينة زابل بمنطقة بلوشستان، بوابل من الرصاص الذي اطلقه مجهولون، يعتقد الايرانيون انهم على علاقة بالسعودية. وفي 11 نوفمبر اغتيل في شرقي العاصمة، طهران، نائب وزير الصناعة الايراني، سفدار رحمة آبادي. وتشعر السلطات الايرانية بالغضب الشديد ازاء هذه الاغتيالات، وتعتقد ان السعودية تقف وراء هذه الحملة التي تشنها مجموعات مسلحة مدعومة من المجموعات السلفية وتنظيم القاعدة التي يعتقد الكثيرون انها مدعومة من السعودية. ثم جاء اغتيال الشيخ سعد الدين غية بمدينة طرابلس اللبنانية ليكرس الشعور بتوسع دائرة العنف والعنف المضاد ليس في لبنان فحسب، بل في المنطقة كلها. والنتيجة المنطقية من هذه الاغتيالات ارتباطها بالسعي لخلق توازن رعب في المنطقة لغير صالح مشاريع التغيير السياسية السلمية. فاستمرار العنف مانع من التغيير، وعامل توتر لا يخدم المنطقة او ايا من مشاريع الاصلاح السياسي. كما ان السعودية تسعى للتسابق مع ايران في مجال النفوذ السياسي الاقليمي، وتبعث رسالة الى طهران بان الرياض قادرة على دعم مجموعات مسلحة كالقاعدة لخلق حالة توازن مع المجموعمات المسلحة التي تدعمها ايران مثل حزب الله وحماس والجهاد الاسلامي. واذا اضيف لهذه العمليات ما حدث مؤخرا في شمال اليمن من صراع مسلح بين الحوثيين والسلفيين يتضح ان الذراع السعودية امتدت الى مناطق نائية لم تكن السعودية قادرة على وصولها سابقا، و انها تسعى لمصادرة النفوذ القطري في تلك المناطق، فالسعودية لا تسمح بوجود قوة موازية لها داخل مجلس التعاون، او في المناطق الاقليمية ذات الصلة المباشرة بالامن السعودي. بل ان السعودية مدت يديها للكيان الاسرائيلي مستعينة به ضد ايران. وذكرت صحيفة اصنداي تايمزب يوم الاحد الماضي أن جهاز اد الاسرائيلي مسؤولين سعوديين و طر أن هجوم اان، إذا ح برنامجا اوي فيه ال اوت ارة جنيف هذا اع. و ا أن اد ا اء ا إ الكيان الاسرائيلي ام ها اي ل اق هجوم اان، أن ا هما أن القيود او ها اوي كافية.
اما العلاقات بين تركيا والسعودية فتشهد هي الاخرى فتورا غير مسبوق، فتركيا ترى التمدد السعودي في سوريا تحديا لارادتها ومشروعها السياسي للحل في ذلك البلد. ولا يمكن فصل النزاع الحاصل في شمال سوريا بين الاكراد والمجموعات المسلحة خصوصا جبهة النصرة عن الصراع بين تركيا والسعودية على النفوذ في تركيا. لقد اصبحت الاعتبارات السياسية تتفوق على الاعتبارات المذهبية، الامر الذي لا يروق للسعودية التي ترى فيت التباينات المذهبية مبررا لوجود مشروعها السياسي الاقليمي.
الرياض تشعر كذلك بعدم الارتياح ازاء السياسة الامريكية الاخيرة في المنطقة خصوصا رغبة واشنطن في تطوير العلاقات مع ايران وتبريد بؤر التوتر في المنطقة. انها تشعر بان هذه البؤر ادت الى صعود نجم تنظيمات القاعدة على حساب المجموعات المعتدلة. ومشكلة السعودية مع الاخوان المسلمين تزيد الوضع تعقيدا. فالسعوديون يرون في حكم الاخوان تهديدا لهم وسحبا لشرعية حكمهم، ولذلك تستهدفهم بابشع الاساليب لازالة مبررات وجودهم لانه يوفر بديلا شرعيا لمشروعهم الديني الذي يروجونه بالمال النفطي، ويهدد بذلك مبررات ما تطرحه المؤسسة الدينية السعودية. الامريكيون يشعرون بالاستياء الشديد من استمرار الرياض في دعم المجموعات المسلحة في سوريا، الامر الذي رأت السعودية فيه تهميشا لوجودها الاقليمي، ولذلك اصبحت تهدد بالخروج على القرار الامريكي وتبعث رسائل غزل الى موسكو. ايا كان الامر فان السعودية تعيش هواجس الامن المحلي والاقليمي وتسعى للتصدي للتغيير السياسي المطلوب شعبيا وحضاريا، مستخدمة كافة ما لديها من وسائل واساليب، وفي مقدمتها منع الوفاق الاسلامي الذي يقوي الاخوان المسلمين على حساب الدين الرسمي لمملكة آل سعود. سيستمر الصراع غير المعلن بين طهران والرياض، والواضح ان جوهر الخلاف يدور في فلك التغيير السياسي المنشود في المنطقة، وهو ما تعتبره السعودية خارج المسموح به في منطقة محكومة بانظمة متميزة تذعن بالزعامة للبيت السعودي. لقد تجاوز الخلاف بين الرياض وطهران حدود المألوف ووصل مرحلة كسر العظم، وبهذا تدخل المنطقة نفقا ضيقا آخر تلوح في نهايته نيران حرب اقليمية اخرى قد تكون اكثر تدميرا مما شهدته المنطقة في الثلاثين عاما الاخيرة.
الرياض، تلك القوة الاقتصادية العظمى في الشرق الاوسط، وصاحبة المشروع الديني المؤسس على المنحى السلفي كما طرحه المرحوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحامية منظومة مجلس التعاون الخليجي، اصبحت اليوم في مواجهة الاشكالات الاربعة المذكورة، انطلاقا من شعورها بان بقاء منظومة الحكم السعودي مشروط بقدرته على تحييد قوى التغيير في محيطاتها الاربعة. وهي تؤسس استراتيجيتها لتلك المواجهة على اربع دعامات: اولاها التعاطي الصارم مع الاطراف الساعية للتغيير، سواء بدوافع ديمقراطية ام سياسية. ثانيتها: انها تعتقد ان المال النفطي المتوفر لديها يوفر لها تفوقا على مناوئيها الاقليميين، ويسهل مهمة التفاوض مع الاطراف العربية والدولية التي يسيل لعابها للمال السعودي. وبالتالي اصبح المال النفطي سلاحا في معركة الوجود، من وجهة منظومة الحكم السعودي. ثالثتها: ان الثقل الديني للسعودية عنصر قوة آخر يمكن توجيهه بما يخدم مصلحة الحكم، وان انتماءها السلفي يوفر لها اداة ضغط وتوجيه للتيارات السلفية التي أنشئت في العقدين الاخيرين. فقبل ذلك اتسمت السلفية بقدر كبير من السلبية والابتعاد عن الشأن السياسي، بينما تحولت الآن الى تنظيمات عسكرية قادرة على ممارسة العنف بدون حدود. وأصبح أغلب تيارات ذلك التيار محسوبا على ما يسمى االسلفية الجهاديةب. ويسجل لهذه المدرسة قدرتها على تعبئة اعداد كبيرة من الشباب المستعد للقيام بعمليات انتحارية ضد الجهات المستهدفة. رابعتها تكريس مقولة االدين في خدمة العرش’، للانطلاق في مجال شرعنة الحكم واضفاء القداسة عليه ضمن اطر دينية خصوصا ان خصوم الحكم السعودي ذوو اتجاهات دينية، سواء داخل المملكة ام على الصعيدين العربي (مصر، تونس، السودان) ام الاسلامي (ايران، تركيا). وللدين موقعه في الحياة السياسية العربية والاسلامية، وطالما تلاعب به اصحاب السياسة (من الذين لا يؤمنون بحاكمية الاسلام) ليكون احدى دعامات حكمهم.
الداخل السعودي ليس مستقرا، بل تتواصل فيه الاضطرابات بدون توقف. فاذا كان الحراك السياسي في المنطقة الشرقية محصورا بالمواطنين من المسلمين الشيعة، وبالتالي يمكن محاصرتهم باضفاء السمة المذهبية على احتجاجاتهم وتظاهراتهم التي تنطلق بين الحين والأخر، فان من الصعب محاصرة الحراكات الاخرى في الرياض والقصيم والمدينة التي ينحدر القائمون عليها من الخلفية المذهبية التي ينتمي اليها نظام الحكم. كما ان التوتر الامني الذي حدث قبل بضعة اعوام في نجران من قبل المواطنين من الطائفة الاسماعيلية كان له أثر في كشف بؤرة اخرى للتوتر الداخلي عمقت القلق ازاء مستقبل الحكم السعودي. يضاف الى ذلك ما يشاهد اليوم من حراك تتصدره المرأة الباحثة عن ابسط حقوقها متمثلا بقيادة السيارات. ولعل التحدي الاكبر ينطلق من المشاعر الغاضبة لدى عشرات الآلاف من العائلات اللاتي يطالبن باطلاق سراح ابنائهن المعتقلين بتهم الارهاب والانتماء لتنظيمات القاعدة وغيرها. وقد شهدت المملكة طوال الاثني عشر شهرا الماضية احتجاجات تطالب باطلاق سراح المعتقلين الذين يقدر عددهم باكثر من عشرة آلاف مواطن، بدون تهمة او محاكمة. ومع ان هذه المخاضات لم تبلغ حتى الآن مستوى مقلقا لداعمي الحكم السعودي، فانها ستظل مصدر قلق خصوصا لدى الجيل الثاني (احفاد الملك عبد العزيز) الذين يشعرون بانهم سيرثون حكما مثقلا بالاعباء والتركات السياسية الثقيلة. ويلاحظ انه بالرغم من ان الجيل الاول ما يزال يحكم، فقد طرأت تطورات مهمة اوصلت الاحفاد الى مراكز القرار. ويمكن القول ان السفينة السعودية اصبحت اليوم تحت قيادة احفاد عبد العزيز، وفي مقدمتهم بندر بن سلطان. ويمكن عزو الحضور السعودي في مجالات الامن والنفوذ الاقليمي والعلاقات الدولية الى هذا الجيل الذي يشعر بانه وصل اخيرا الى كابينة قيادة سفينة عملاقة اصيبت مفاصلها بالصدأ واطرافها بالترهل. أيا كان الامر، فليس صعبا ملاحظة التغير الذي طرأ على السياسة السعودية خصوصا في العامين الاخيرين.
على الصعيد المحلي تصدت اجهزة الحكم السعودي لكافة المجموعات المطالبة بالتغيير بقدر كبير من القمع اكدته منظمات حقوقية دولية. فعندما تقدمت السعودية بطلب العضوية لمجلس حقوق الانسان قالت منظمة العفو الدولية في 21 اكتوبر: ااثبتت الوعود التي قدمتها المملكة العربية السعودية للامم المتحدة انها ليست سوى هواء ساخن. انها تعتمد على قوتها الاقتصادية والسياسية لردع المجموعة الدولية من انتقاد ملفها السيء في مجال حقوق الانسانب.ت وبعد يومين قالت المنظمة: ايجب على السلطات السعودية احترام حق النساء في سياقة السياراتب. وفي الرابع من نوفمبر شجبت المنظمة الاجراءات السعودية ضد العمال المهاجرين الذين قتل بعضهم في احتجاجات حدثت هذا الشهر. وعندما اصدرت محكمة بمدينة جدة حكما بسجن المحامي وليد ابو الخير بالسجن عامين لتوقيعه عريضة تطالب باصلاحات، شجبت منظمة العفو الدولية ذلك القرار. وهكذا يتضح ان الملف الحقوقي السعودي يعاني من تراجع كبير يمثل تحديا للعالم الحقوقي الدولي خصوصا بعد ان اصبحت السعودية عضوا بمجلس حقوق الانسان. الرياض تواصل سياستها التقليدية القائمة على عنصر االاستباقب لمواجهة مصادر الاضطراب الداخلي ومنعها من القدرة على التنامي وتحدي النظام بشكل فاعل.
ويساعدها كذلك طابور طويل من خبراء العلاقات العامة ومجموعات الضغط لتفادي تبلور موقف دولي ضاغط في مجالات الاصلاح السياسي وحقوق الانسان.
وتواجه السعودية تحديات داخل مجلس التعاون، وان كانت لم تصل بعد الى تهديد المنظومة كلها. فثمة اختلاف مع دولة الامارات حول الموقف منسوريا، حيث تدعو الاولى الى حل سياسي وتستقبل المسؤولين السوريين وتتعاون مع بعض الشركات السورية. وموقف سلطنة عمان قريب من موقف الامارات. كما تواجه السعودية خلافا حدوديا مع الامارات خصوصا حول ملكية حقل االشيبةب الذي تعتقد الامارات انه يقع في اراضيها. والعلاقات مع ايران، هي الاخرى، مسألة خلافية داخل دول مجلس التعاون. ففي الوقت الذي تزداد علاقات الريض مع طهران توترا، تتواصل علاقات الامارات وقطر وعمان والكويت بايران برغم اختلاف مواقف بعض هذه الدول مع الجمهورية الاسلامية حول مشكلة سوريا والبحرين. ويتوقع ان تتصاعد حدة الخلافات مع السعودية داخل المجلس بسبب الخطاب المتشدد الذي يطرحه بندر بن سلطان. ويمكن القول ان التوتر بين السعودية وقطر تصاعد في الاسابيع الاخيرة بعد ان تدخلت السعودية لاقصاء الاخيرة عن التأثير في قلب الحدث العربي، فألغت كل ما ترتب على التدخلات القطرية في مناطق عربية شتى، منها مصر وسوريا. ولا يستبعد ان تمتد الذراع السعودية الى تونس وليبيا لمحاصرة النفوذ القطري الذي تعرض لضربة شبه قاضية بعد الاطاحة بحكم الاخوان في مصر واعتقال الرئيس المنتخب، محمد مرسي. ويمكن القول ان السعودية حسمت الموقف لصالح نفوذها بعد ان نجحت، بانقلاب صامت، في إقصاء الدولة الشقيقية العضو بمجلس التعاون، عن دائرة التأثير في البلدان التي شهدت ثورات شعبية في الاعوام الثلاثة الماضية. ولذلك ليس مستبعدا حدوث تصدعات كبيرة في العلاقات بين الدوحة والرياض، وتقارب أكبر بين الدوحة وطهران.
ويمكن القول ان الخلافات السعودية مع الدول الاقليمية تمثل الجانب الاخطر في ما يتصل بامن المنطقة. ويلاحظ هنا ان السعودية اصبحت اكثر جرأة علىت التصدي لايران وأكثر استعدادا للمواجهة برغم خطاب الرئيس حسن روحاني الهادف لطمأنة السعودية. وفي الاسابيع الاخيرة تصاعدت اعمال العنف في العمق الايراني بصورة غير مسبوقة. وما التفجير الذي استهدف السفارة الايرانية في بيروت يوم امس الا الحلقة الاخيرة في مسلسل طويل من الاعمال الارهابية التي استهدفت ايران.
ففي 25 اكتوبرت اغتيل 14 من عناصر الشرطة وحرس الحدود في منطقة بلوشستان على ايدي مجموعات متهمة بالعلاقة مع السعودية. وفي السادس من نوفمبر اغتيال موسى نوري قلعه نو،’ المدعي العام في مدينة زابل بمنطقة بلوشستان، بوابل من الرصاص الذي اطلقه مجهولون، يعتقد الايرانيون انهم على علاقة بالسعودية. وفي 11 نوفمبر اغتيل في شرقي العاصمة، طهران، نائب وزير الصناعة الايراني، سفدار رحمة آبادي. وتشعر السلطات الايرانية بالغضب الشديد ازاء هذه الاغتيالات، وتعتقد ان السعودية تقف وراء هذه الحملة التي تشنها مجموعات مسلحة مدعومة من المجموعات السلفية وتنظيم القاعدة التي يعتقد الكثيرون انها مدعومة من السعودية. ثم جاء اغتيال الشيخ سعد الدين غية بمدينة طرابلس اللبنانية ليكرس الشعور بتوسع دائرة العنف والعنف المضاد ليس في لبنان فحسب، بل في المنطقة كلها. والنتيجة المنطقية من هذه الاغتيالات ارتباطها بالسعي لخلق توازن رعب في المنطقة لغير صالح مشاريع التغيير السياسية السلمية. فاستمرار العنف مانع من التغيير، وعامل توتر لا يخدم المنطقة او ايا من مشاريع الاصلاح السياسي. كما ان السعودية تسعى للتسابق مع ايران في مجال النفوذ السياسي الاقليمي، وتبعث رسالة الى طهران بان الرياض قادرة على دعم مجموعات مسلحة كالقاعدة لخلق حالة توازن مع المجموعمات المسلحة التي تدعمها ايران مثل حزب الله وحماس والجهاد الاسلامي. واذا اضيف لهذه العمليات ما حدث مؤخرا في شمال اليمن من صراع مسلح بين الحوثيين والسلفيين يتضح ان الذراع السعودية امتدت الى مناطق نائية لم تكن السعودية قادرة على وصولها سابقا، و انها تسعى لمصادرة النفوذ القطري في تلك المناطق، فالسعودية لا تسمح بوجود قوة موازية لها داخل مجلس التعاون، او في المناطق الاقليمية ذات الصلة المباشرة بالامن السعودي. بل ان السعودية مدت يديها للكيان الاسرائيلي مستعينة به ضد ايران. وذكرت صحيفة اصنداي تايمزب يوم الاحد الماضي أن جهاز اد الاسرائيلي مسؤولين سعوديين و طر أن هجوم اان، إذا ح برنامجا اوي فيه ال اوت ارة جنيف هذا اع. و ا أن اد ا اء ا إ الكيان الاسرائيلي ام ها اي ل اق هجوم اان، أن ا هما أن القيود او ها اوي كافية.
اما العلاقات بين تركيا والسعودية فتشهد هي الاخرى فتورا غير مسبوق، فتركيا ترى التمدد السعودي في سوريا تحديا لارادتها ومشروعها السياسي للحل في ذلك البلد. ولا يمكن فصل النزاع الحاصل في شمال سوريا بين الاكراد والمجموعات المسلحة خصوصا جبهة النصرة عن الصراع بين تركيا والسعودية على النفوذ في تركيا. لقد اصبحت الاعتبارات السياسية تتفوق على الاعتبارات المذهبية، الامر الذي لا يروق للسعودية التي ترى فيت التباينات المذهبية مبررا لوجود مشروعها السياسي الاقليمي.
الرياض تشعر كذلك بعدم الارتياح ازاء السياسة الامريكية الاخيرة في المنطقة خصوصا رغبة واشنطن في تطوير العلاقات مع ايران وتبريد بؤر التوتر في المنطقة. انها تشعر بان هذه البؤر ادت الى صعود نجم تنظيمات القاعدة على حساب المجموعات المعتدلة. ومشكلة السعودية مع الاخوان المسلمين تزيد الوضع تعقيدا. فالسعوديون يرون في حكم الاخوان تهديدا لهم وسحبا لشرعية حكمهم، ولذلك تستهدفهم بابشع الاساليب لازالة مبررات وجودهم لانه يوفر بديلا شرعيا لمشروعهم الديني الذي يروجونه بالمال النفطي، ويهدد بذلك مبررات ما تطرحه المؤسسة الدينية السعودية. الامريكيون يشعرون بالاستياء الشديد من استمرار الرياض في دعم المجموعات المسلحة في سوريا، الامر الذي رأت السعودية فيه تهميشا لوجودها الاقليمي، ولذلك اصبحت تهدد بالخروج على القرار الامريكي وتبعث رسائل غزل الى موسكو. ايا كان الامر فان السعودية تعيش هواجس الامن المحلي والاقليمي وتسعى للتصدي للتغيير السياسي المطلوب شعبيا وحضاريا، مستخدمة كافة ما لديها من وسائل واساليب، وفي مقدمتها منع الوفاق الاسلامي الذي يقوي الاخوان المسلمين على حساب الدين الرسمي لمملكة آل سعود. سيستمر الصراع غير المعلن بين طهران والرياض، والواضح ان جوهر الخلاف يدور في فلك التغيير السياسي المنشود في المنطقة، وهو ما تعتبره السعودية خارج المسموح به في منطقة محكومة بانظمة متميزة تذعن بالزعامة للبيت السعودي. لقد تجاوز الخلاف بين الرياض وطهران حدود المألوف ووصل مرحلة كسر العظم، وبهذا تدخل المنطقة نفقا ضيقا آخر تلوح في نهايته نيران حرب اقليمية اخرى قد تكون اكثر تدميرا مما شهدته المنطقة في الثلاثين عاما الاخيرة.
نحن نقدم مجموعة واسعة من الخدمات المالية والتي تشمل: تخطيط الأعمال،
ردحذفالتجارية وتمويل التنمية، خصائص والرهون العقارية، وتوطيد الدين
نقدا، الأعمال التجارية، والنقدية خاص، نقدا سيارة، والنقدية فندق، نقدا طالب.
موافقة سهلة وسريعة
سداد مرنة
البريد الإلكتروني: jacksonprivatefinance@gmail.com