بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 20 نوفمبر 2013

فرنسا وإسرائيل وغزل الضرورة مهى عون

تبلور الموقف الفرنسي المناهض لشمولية أجواء التفاؤل التي طغت على بيانات نهاية مفاوضات "5 زائد واحد" في جنيف, خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي منذ يومين لإسرائيل, حيث أكد على العلاقة الوثيقة التي تربط البلدين. والديبلوماسية الفرنسية التي بدت وكأنها تسبح وحيدة ضد التيار العام, أو تغرد خارج السرب في نهاية المفاوضات, ظهرت وكأنها تترجم هذا التمايز ذلك بشكل غزل علني مع الجانب الإسرائيلي المستاء أصلاً من الموقف الختامي لمؤتمر جنيف الأخير.

هذا في الجانب الظاهر للأمور. ولكن الحقيقة هي شيء آخر, إذ لا بد من التسليم بأهمية العلاقة المتينة التي تربط بين الديبلوماسيتين الأميركية والفرنسية, حيث أن فرنسا وفي غالبية الملفات الشرق أوسطية الماضية والحاضرة شكلت امتداداً للسياسة الأميركية, بل وأكثر من ذلك إذ يمكن القول, إنها مارست دور المترجم الفعلي لبعض جوانب هذه السياسة التي كانت تتميز بالغموض والضبابية.
لذا, قد يكون من الصعب التصور أن الموقف الفرنسي الأخير يشكل انعطافاً دراماتيكياً أو قطيعة مع طبيعة ونهج متانة العلاقة بين الديبلوماسيتين الأميركية والفرنسية والتي دامت وتلازمت على مدى عقود, خاصة بالنسبة لتلك المتعلقة بالمواضيع الشرق أوسطية الشديدة الحساسية والخطورة. والانفصام الظاهر بينهما اليوم في ما خص الملف النووي الإيراني, وبالنسبة الى مسألة الرفع الجزئي للعقوبات على إيران, قد لا يكون أكثر من سيناريو متفق عليه تمهيداً لتحويل الجانب الفرنسي ساعي بريد, تمهيداً لإعادة اللحمة إلى ما تخرب في العلاقة بين حليفي البارحة إسرائيل والولايات المتحدة نتيجة مفاوضات جنيف الأخيرة. بمعنى آخر, يمكن أن تكون فرنسا اليوم ومن خلال مساعيها للتقرب من إسرائيل, هي فعلياً بصدد ان تكون الوسيط لتقريب وجهات النظر بين الطرفين. وذلك بدليل أن المواضيع الرئيسة التي نوقشت خلال زيارة الرئيس فرنسوا هولاند الحالية إلى إسرائيل, وبغض النظر عن الكلام المعسول المتبادل, نراها وقد تمحورت حول الرغبة الفرنسية في حمل إسرائيل على تليين موقفها حيال الاتفاق المرحلي المزمع اعتماده في الاجتماع المقبل ومدته ستة أشهر, استناداً الى النص الذي قدمه "الستة" في آخر يوم من اجتماعات جنيف السابقة والمقصود منه إعادة الثقة بين إيران والمجتمع الدولي من جهة, ووقف توسع البرنامج النووي الإيراني, حيث تتعهد إيران بعدم تشغيل أو نشر طاردات مركزية متطورة جديدة والتوقف مرحلياً عن التخصيب بمستوى 20 في المئة, وقبول تفتيش بعض مواقعها مثل مفاعل "آراك" الذي قد يتم تجميد استكمال بنائه الذي يفترض أن ينجز نهاية ,2014 وذلك كله مقابل رفع بعض العقوبات المفروضة عليها.
فهل تنخدع فعلاً إسرائيل بالغزل الفرنسي وتظنه فعلاً موقفاً مسانداً وداعماً نهائياً لها بوجه مجموعة "5 زائد واحد?" وهل ترى حكومة نتانياهو بالموقف الفرنسي موقفاً متجدداً مغايراً فعلاً وليس فقط موقفاً بديلاً لدور يتعذر على الولايات المتحدة ممارسته حيال إسرائيل, نظراً الى حاجتها لتدليل طهران إلى أقصى الحدود علها تحملها على التخلي, ولو جزئياً, عن برنامجها النووي? وهل يدرك نتانياهو مدى حاجة المجتمع الدولي الماسة لأي اتفاق حول الملف النووي قد يجر حلولاً ويفتح الأبواب لحلول أخرى لأزمات عالقة وفي مقدمها الأزمة السورية المراوحة في عنق الزجاجة منذ نحو ثلاث سنوات?
ولكن إذا صحت هذه الفرضيات وتبين أن الرئيس أوباما يريد فعلاً مفاوضات حول الملف الإيراني تؤدي الى حلول موقتة وتشكل مدخلاً لإيجاد الحلول للأزمة السورية, فذلك قد يكون عائداً لكون الرئيس الأميركي في الوقت الحالي وحتى إشعار آخر عالقاً هو الآخر بين فكي كماشة, وعلى مشارف أزمة قد تتفاقم مع اقتراب فترة الحملات الانتخابية الرئاسية, فمن ناحية الأزمة السورية التي باتت تُلقي بظلالها السوداء على المجتمع الدولي وعلى الولايات المتحدة بالذات, حيث أن تبعات وتداعيات استمرار العجز عن إيجاد المخارج والحلول لها, قد تحمل الشعب الأميركي على طرح مسألة محاسبة الرئيس على سياسته الفاشلة على الصعيد الإنساني حيال معاناة الشعب السوري. ومن ناحية أخرى قد يكون الرئيس أوباما في مأزق خطر في ذهابه بعيداً في سياسة التخلي عن إسرائيل نظراً الى اهمية الدور التقليدي الذي يؤديه اللوبي اليهودي في السياسة الأميركية عموماً وخلال الانتخابات الرئاسية خصوصاً.
من هنا يأتي تعويل الولايات المتحدة على الدور الفرنسي. وقد لا يكون من المستبعد أن تكون فرنسا بصدد ممارسة هذا الدور التقليدي الذي طالما ادته في تدوير الزوايا السياسة الأميركية التي تبدو أحياناً وكأنها قاسية وجافة ومتطرفة مع حلفاء البارحة. وفي المقابل قد تدرك باريس جيداً مدى ردة الفعل الإسرائيلية في الاستفادة من مواقفها, لإغاظة واشنطن من جهة وفي حاجتها الى اطراف دولية تتفهم مواقفها. لكن إسرائيل ليست واثقة كثيراً من استمرار هذا الوضع على حاله بالنسبة الى فرنسا خلال اجتماع جنيف المقبل, وذلك خشية أن تنجر للضغوطات الأميركية مجدداً. لهذا السبب نفهم دعوة الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريس ورئيس الوزراء بنيامين نتانياهو في أحاديث صحافية نشرت منذ يومين الحكومة الفرنسية إلى "التمسك بمواقفها" وعدم التخلي عن العقوبات المفروضة على إيران أسوة بالموقف الأميركي.
يبقى أن الجانب الفرنسي رغم كل نواياه الحسنة, يعرف جيداً أنه لا يستطيع الوقوف إلى ما لا نهاية بوجه اتفاق تريده جميع الأطراف وعلى رأسها الولايات المتحدة, خصوصاً بعد التوصل إلى نص مشترك ينتظر "الستة" جواباً عليه غداً, كما يبدو وكأنه مقتنع بأن نجاح العملية التفاوضية مهم من زاوية أنه "ينحي" الخيار العسكري الإسرائيلي جانباً, إذ سيكون من الصعب على تل أبيب, رغم "عنتريات" رئيس حكومتها, أن تضرب بعرض الحائط اتفاقاً دولياً وافقت عليه الدول الخمس الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق