بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2013

الصغار يتخاصمون باسم الكبار! زياد الدريس

 احتفلت مكتبة الإسكندرية مؤخراً بذكرى أربعين سنة على وفاة عميدالأدب العربي طه حسين. وفي تقرير عن تلك الاحتفالية تحت عنوان (استعادة طه حسين في ذكراه الأربعين / صحيفة «الحياة» ١ كانون الأول /ديسمبر ٢٠١٣) أشير إلى المعرض المتضمن وثائق
نادرة من محفوظات الراحل، من بينها رسائل متبادلة بينه ومجموعة متنوعة من مجايليه من رموز تلك الحقبة التاريخية من المثقفين والسياسيين والرموز الدينية والوطنية من مصر وخارجها.الوثائق كلها نادرة ومثيرة للاهتمام، لكن بعضها مثير لما هو أكثر من مجرد الاهتمام... بل العجب!
العجب يتمثل في الرسائل «الودية» لطه حسين مع الرموز والقيادات الإسلامية حينذاك، فمن القصيدة التي كتبها الشيخ محمد متولي الشعراوي ترحيباً به أثناء زيارته مدينة جدة ثم أدائه العمرة في العام 1955، إلى الوثيقة الأكثر عجباً وإعجاباً وهي البرقية التي أرسلها الشيخ حسن البنا زعيم «الإخوان المسلمين» إلى الدكتور طه حسين مؤلف كتاب «في الشعر الجاهلي»، مهنئاً بزواج أمينة ابنة طه حسين، بالقول: «للأسرتين الكريمتين أجمل التهنئات وللعروسين الفاضلين أطيب التمنيات، الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات». وإن احتفاظ العميد بهذه البرقية ضمن وثائقه النادرة دلالة على احتفائه بها.
لماذا العجب من هذه الأريحية بين طه حسين وحسن البنا، يرحمهما الله؟!
لأن الصورة النمطية التي صُنعت لنا وتوارثناها عن الاحتدام الأيديولوجي بين التيارين الممثلين بكلٍّ منهما يتنافى مع العلاقة الوديّة التي تتبدّى من هذه الوثيقة الشخصية بينهما بامتياز.
هل كان يمكن لمحبي حسن البنا / مبغضي طه حسين أن يتخيلوا كتابة الأول هذه البرقية للثاني، والسؤال نفسه ينداح بالمثل لمحبي طه حسين / مبغضي حسن البنا؟!
هل كان يمكن لمن يظنون أن الاثنين لا يمكن أن يجتمعا في الجنة، أن ليلة زواج أمينة ستجمعهما حسّاً أو معنى؟!
أين الحقيقة... في التاريخ البغيض أم في البرقية الودودة؟
أدرك أنه لا يمكن بناء موقف تحليلي لحقبة زمنية من خلال وثيقة واحدة، لكن لا يغيب عن البال أيضاً أن وثيقة استثنائية واحدة يمكن أن تربك المشهد التاريخي لتلك الحقبة. وقد لجأت في هذا المبحث المتخصص إلى الصديق الناقد والمؤرخ الثقافي حسين بافقيه كي يحيطنا ببعض أجواء تلك الوثيقة وتنافرها أو تطابقها مع الصورة التي اكتنزناها، أو كُنزت فينا، وقد فعل مشكوراً عبر مجموعة تغريدات بثّها في موقع «تويتر» وأرجو أن يجمعها موحدة في مقالة صحافية تغوص أكثر في دراسة، ليس هذه الحالة فقط، بل وحالات كثيرة مماثلة من التاريخ الثقافي العربي.
هذه الوثيقة وأمثالها مما قد يُكشف أحياناً بين رمزين مختلفين في عصور سبقتنا تثير فينا التساؤل إن كان ما نكتنزه من الكراهية والبغضاء حول العلاقة المحتدّة بين رمزين أو تيارين قد يكون من النفخ في النزاعات فوق إرادة المتنازعين، بحيث تصلنا معركة يكون نصف أحداثها وقع بعد وفاة الفرسان بسنين طويلة، وأن (مقاتلين بالنيابة) صغاراً هم الذين أجّجوا المعركة بعد رحيل الكبار!
ثم هل ينقص منطقتنا وثقافتنا التقاتل والتناحر بين الشهود الحاضرين، حتى نتقاتل بالنيابة عن الغائبين؟!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق