بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 12 يوليو 2013

الفصل السابع والجهاد الأكبر-حبيب محمد هادي الصدر -العراق


 
  لم تستطع الأصوات المشككة هذه المرة التطفيف من جسامة المنجز الحكومي الدبلوماسي أو بخس جهود صناعه، وهو المنجز المتمثل بإخراج عراقنا المجاهد من طائلة الفصل السابع وتخليصه الناجز من (65) قرارا أمميا تعسفيا أضر بالشعب بما فاق ضرره على النظام بدليل أن فترة الحصار قد شهدت تشييد معظم القصور الرئاسية والإسراف الباذخ في إقامة حفلات عيد الميلاد والنصب والجداريات الصدامية والاستهتار بتوزيع كوبونات النفط سيئة الصيت كرشى لشراء ذمم عربية وأجنبية مشبوهة، فيما المحن والضائقات قد أحكمت خناقها وفعلت فعلها المأساوي في السواد الأعظم من أبناء شعبنا المحروم.
   بشرى هذا المكسب التاريخي الذي حمله مؤخرا لشعبنا الصامد قرار مجلس الأمن الدولي (2107) شكلت امتدادا لأفراحه العارمة بيوم الإنسحاب التام للقوات الأجنبية من أرضه الأبية مستهل العام الماضي 2012 ما عده المراقبون في حينه إنجازا يرقى الى مستوى الإعجاز.
   هذه التطورات المبهرة المتلاحقة ما كانت لتبصر النور لولا المساعي الإستثنائية والمضنية لخارجيتنا العراقية واستهدائها المتبصر بالتوجيهات السديدة لحكومتنا الرشيدة، ولولا ما تحلت به طوال الفترة الماضية من براعة في الأداء ورصانة في الطرح وقوة في الإقناع ومهنية في إدارة مصالح البلاد العليا ، فضلا عن المثابرة والمصابرة بأعلى درجاتها. 
   إن حدثا لافتا كهذا سيطبع ــ بلا شك ــ بصمة متوهجة مشرفة في سفر العراق الحديث 
مبرهنا على صواب المنهجية الاعتدالية الانفتاحية التنويرية لعراقنا التحولي التعددي الجديد ما استوجب على العراقيين الاحتفاء به كعيد وطني واستخلاص دروسه سنويا 
وعلى نحو واسع. ذاك لأنه أتاح لحكومتنا الوطنية ممارسة حقوقها السيادية الكاملة  في ظل انقلاب جذري في النظرة الدولية الى 
العراق من بلد متمرد على الإرادة الدولية ومهدد للأمن والسلم الدوليين الى بلد متحرر يحترم الأعراف الأممية ومبادىء حقوق الإنسان ويزدري بالعنف والتطرف وامتلاك اسلحة الدمار الشامل ويؤمن حتى النخاع بالوسطية والحوار وإحترام الآخر.
 إذن فالقرار (2107) كان بمثابة حصول العراق على شهادة حسن سلوك دولية واعتراف كامل من الأسرة الدولية بشرعية النظام السياسي العراقي الجديد، الأمر الذي ستكون له انعكاسات إيجابية مؤكدة على تطور علاقات العراق الخارجية مع محيطه الإقليمي والدولي. وتجلى ذلك لوهلته الأولى في سيل التهاني التي تلقتها حكومتنا الوطنية من العديد من رئاسات العالم ومنظماته الدولية . أما مردوداته الإقتصادية فصار بمقدور بلدنا إدارة أمواله المجمدة الهائلة من غير وصاية دولية والتعامل السلس الحر مع الأسواق والمؤسسات المالية العالمية والحصول على التكنولوجيا المتقدمة وعلى طيف متنوع من السلع والخدمات مما كان في السابق محظورا الحصول عليه إلا بموافقات وإجراءات معقدة وصعبة ، ناهيكم عن الإنعاش المتوقع لفرص الاستثمار الأجنبي والرسائل التطمينية الضمنية الموجهة الى الشركات العالمية لتفعيل حركتها في السوق العراقية الواعدة.
لم يكن اندماج بلدنا بالحضيرة الدولية يسيرا على الإطلاق جراء تكبيله لعقدين بتراكمات مريعة من تجاوزات النظام الدكتاتوري المبـــــاد وسياساته الكارثية وانتهاكاته المستمرة للسلم المحلي والعالمي ما حتم على خارجيتنا الناشطة أن تشق طريقها الوعر والطويل وسط معرقلات جمة وملفات شائكة وأجواء أمنية ساخنة وأمزجة سياسيـــــــة متباينة. وكان عليها ألاّ تحيد عن سياساتها المتوازنة التي رسمها لها الدستور الجديد بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير وحل المشاكل الثنائية عبر الطرق السلمية وتجنب الرد على الإساءات أو التدخلات من بعض الدول بمثلها لا بسبب من ضعف ولكن بداعي الثقة بالنفس والوضوح في المبادىء،  يضاف الى ذلك اعتماد المصالح المشتركة كأساس في تعاملاته الخارجية، وإرساء التطبيقات العملية لمبادىء ومعايير حقوق الإنسان وبخاصة فيما يتعلق بحقوق الأقليات وحرياتها الدينية. وهذا ما حصل فعلا على امتداد السنوات العشر من عمر التغيير حتى حظيت الدبلوماسية العراقية ــ بحمد الله ــ بثقة المجتمع الدولي ومصداقيته، الأمر الذي مكنها من أن تنفض عنها غبار العزلة الدولية الموروثة وتنظم قمة عربية ناجحة وأن تدير بكفاءة متناهية العديد من فعاليات جامعة الدول العربية وآخرها فعاليات (بغداد) عاصمة للثقافة العربية لعام 2013 وسوى ذلك نجاحها في تنظيم اجتماعات مجموعة (5+1) بخصوص الملف النووي الإيراني وفي إبرام إتفاقيتين ستراتيجيتين للشراكة الأولى مع الولايات المتحدة الأميركية والثانية مع الإتحاد الأوروبي،  فضلا عن اجتذابها للمزيد من العروض الاستثمارية الأجنبية وإطفائها لما نسبته 80 بالمئة من الديون الخارجية في إطار (نادي باريس) وإحيائها للعديد من اللجان الإقتصادية المشتركة المجمدة مع كبريات دول العالم واسترجاعها للمئات من القطع الآثارية المهربة ثم توسيعها لشبكة بعثاتها العاملة في الخارج حتى أربت على التسعين.
    حقا ... لقد أصاب دولة رئيس الوزراء (المالكي) كبد الحقيقة حين شبه خروج عراقنا المناضل من تبعات هذا الفصل الجائر كمن يخرج من (الجهاد الأصغر) الى (الجهاد الأكبر) حيث أن متطلبات المرحلة الحساسة الراهنة والأحداث الدراماتيكية الدائرة في المنطقة تملي على الحكومة والبرلمان والإعــلام ومنظمات المجتمع المدني والنخب الدينية والثقافية التحرك الجاد لإعادة ترتيب أوراق البيت العراقي الداخلية والخارجية وتحصينه من تداعيات الأزمات في دول الجوار واتخاذ قرارات مصيرية من شأنها طي صفحة الآلام والعقوبات الدولية المريرة وترسيخ قواعد بناء دولة المؤسسات الدستورية ودولة المواطنة الحقة وتشريع حزمة من القوانين الجديدة ذات الأبعاد التغييرية لتحل محل القوانين الصدامية المعمول بها للأسف حتى وقتنا الحالي ، علاوة على خلق آفاق جاذبة وأجواء آمنة للاستثمارات الأجنبية وللكفاءات العراقية المهاجرة في ظل بيئة تسهيلية ومصرفية متطورة خالية من كل مظاهر التعقيد الروتيني والفساد المستشري بالإضافة الى مضاعفة الجهود لتنفيذ مفردات الخطة الخمسينية الجديدة لتحقيق ما نصبو إليه من تنمية مستدامة. 
   إن بلدا أثبت عمليا قدرته على المصالحة مع أسرته الدولية لقادر أيضا على 
تحقيق المصالحة مع ذاته. تماما كقدرته على توظيف إمكاناته البشرية وثرواته الإقتصادية ومقوماته الحضارية وموقعه الستراتيجي ليشكل قوة محورية مذهلة بكل المعايير 
في المنطقة والعالم. وهذا الحلم قابل جدا للتحقيق إذا ما توفرت الإرادة السياسية الموحدة وتغلب منطق الولاء المطلق للوطن على 
منطق القومية والطائفة والحزب والمصالح الفئوية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق