بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2013

الأزمة الأمنية التي لا نهاية لها في العراق مايكل نايتس


في أي بلد آخر، كان حادث تفجير 15 سيارة بقنابل مفخخة في العاصمة ووقوع عشرات القتلى نتيجة لذلك سيُعد بمثابة حادث غير مسبوق. لكن هذا الأمر الذي حدث في بغداد في الثلاثين من أيلول/سبتمبر لم يلفت الكثير من الانتباه في العراق - فهو الحادث "المذهل" الثامن والثلاثين الذي وقع في الإثني عشر شهراً الماضية. ومع دخول البلاد عامها العاشر وهي في أزمة أمنية عميقة، فإن الأمر يستحق استقصاء العوامل التي تغذي الصراع والجهات الفاعلة العنيفة التي تحبط الجهود اليومية التي تقوم بها قوات الأمن العراقية.تسارع خطى تنظيم «القاعدة»بادئ ذي بدئ، يشهد العراق أزمتين أمنيتين منفصلتين لكنهما متداخلتين. ويميِّز الخبراء بين "فرع تنظيم «القاعدة»" الذي ينفذ هجمات تكبد خسائر ضخمة، وما يمكن أن يطلق عليه "التمرد الطبيعي" الذي تضطلع به خلايا شيعية وسنية متشددة على المستوى المحلي.تبدي وسائل الإعلام الدولية أكبر قدر من الاهتمام بالأزمة الأولى لأن الهجمات المتناسقة بالسيارات
المفخخة في مواقع متعددة هي عالية الظهور والانتشار - كما ينوي لها المنتسبون المحليون لـ تنظيم «القاعدة». كما أن وقوع الحوادث الضخمة من قبل "الدولة الإسلامية في العراق والشام" وغيرها من المنظمات المنتسبة لـ تنظيم «القاعدة» آخذ في التسارع.
 عندما كان مستوى العنف في عام 2010 هو الأكثر انخفاضاً بالنسبة لـ تنظيم «القاعدة» في العراق، تراجعت التفجيرات بالسيارات المفخخة إلى متوسط 10 هجمات في الشهر ولم تقع الهجمات في مناطق متعددة سوى مرتين أو ثلاث مرات في العام الواحد. وفي 2013، وقع حتى الآن متوسط 68 تفجيراً بالسيارات في الشهر كما وقع تفجير في مواقع متعددة كل عشرة أيام. وتورد الأمم المتحدة في تقرير لها أن 5740 مدنياً قد قتلوا منذ كانون الثاني/يناير - وهو ما يقرب من ضعف العدد الذي أبلغت عنه المنظمة طوال عام 2010.

الجماعات المحلية
 بقدر ما تبدو الأوضاع سيئة، إلا أن المقاييس الأكثر أهمية التي ينبغي مراقبتها هي تلك المرتبطة بالهجمات الأقل حجماً من قبل متشددين قوميين أو طائفيين - معظمهم جنود سابقين أو أعضاء ميليشيات يدافعون عن شوارعهم من كافة الوافدين لفترة دامت عقد من الزمن.
 أما المقاتلون المترجلون من الجماعات المتمردة الرئيسية - المنتسبين لـ تنظيم «القاعدة» وحركة النقشبندي البعثية المتشددة بالإضافة إلى الميليشيات الشيعية التي تدعمها إيران مثل "عصائب أهل الحق" أو "كتائب «حزب الله»" - فأغلبهم "متمردون مهنيون". ومعدلات نشاطهم يفرضها تحفيز المنظّرين الإيديولوجيين للجماعة المعينة وكذلك مموليها ومتخصصي دعايتها.
 إن التوترات الطائفية في المنطقة، وخاصة تلك المنبثقة عن الأزمة في سوريا والسياسة العراقية المحلية، تُوفر خلفية عن الحوافز التي عززت عمليات تلك الجماعات القتالية المحلية. فالهجمات من قبل هذه الجماعات آخذة في التزايد، لكن ليس بنفس معدل فرع تنظيم «القاعدة». وخلال أكثر الفترات انخفاضاً في مستوى العنف في العراق التي كانت في أوائل عام 2011، عانت البلاد من حوالي 300 حادث أمني كبير في الشهر. وطوال عام 2013، زاد مجموع العمليات الإرهابية الشهرية بانتظام ووصل إلى أكثر من 1,200 حادث. ولكن لا يزال ذلك العدد أقل بكثير مما يزيد عن 6,000 حادث تم الإبلاغ عنها شهرياً خلال أحلك أيام أعمال العنف التي شابهت ظروف الحرب الأهلية في أواخر عام 2006 وأوائل عام 2007.
 إن ذلك يبين لنا أن العنف في العراق ما زال يقتصر إلى حد كبير على الهجمات التي تقوم بها الخلايا المتشددة الصغيرة، في حين لا يزال عموم السكان غير مشتركين في الأحداث ولا يزال العنف بين المدنيين وبين الأطراف العرقية والطائفية نادراً نسبياً.
 هجمات انتقامية
 هل سيستمر هذا الوضع؟ إن ما يقرب من عامين من الهجمات التي تُوقع خسائر ضخمة ومكثفة قد بدأت تمثل اختباراً صارماً لصبر الشيعة، الأمر الذي يُفضي عن وجود أدلة متزايدة عن وقوع هجمات انتقامية على مساجد سنية وعلى خطباء مساجد ومدنيين.
 وفي بغداد، التي تعد بؤرة التوتر الطائفي، تتواطأ قوات الأمن التي يهيمن عليها الشيعة مع الأعمال الانتقامية غير الظاهرة التي يقوم بها رجال "عصائب أهل الحق" وأتباع رجل الدين الشيعي المتطرف مقتدى الصدر. وبالنسبة للعديد من السنّة في بغداد، يبدو أن قوات الأمن العراقية هي الميليشيا الشيعية النهائية، التي تضيق على أهل السنة في مناطق منعزلة، حيث يخضعون لإجراءات شرطية قمعية وعزلة اقتصادية.
 كما أن الهجمات الطائفية ضد الأقلية السنية تتسارع هي الأخرى في البصرة، المحافظة الغنية بالنفط في "عمق الجنوب" من العراق. وقد قتل هناك ما يقرب من 20 شخص من أبناء السنة في الشهر الماضي، وأُلقيت بعض جثث المقتولين في القمامة وكُتبت عليها ملاحظات تبين أن الأشخاص قد قتلوا انتقاماً للعدد المتزايد من تفجيرات تنظيم «القاعدة» في البصرة.

قوات الأمن المنهكة
 يميل مدنيون إلى قتل مدنيين آخرين عندما يشعرون بأن قوات الأمن لا تتمكن من حمايتهم، الأمر الذي يعكس الواقع بأن قوات الأمن العراقية قد أثبتت أنها غير قادرة على الحد من العنف سواء من قبل تيار تنظيم «القاعدة» أو المقاتلين على مستوى الأحياء والمناطق. فقوات مكافحة الإرهاب العراقية المنهكة تفتقر إلى القوة، كما أن تمويلها وعلاقات قياداتها تعقدها البيروقراطية والتناحر السياسي ولا تستطيع مضاهاة المصادر الجوية والاستخباراتية الشاسعة التي جلبتها الولايات المتحدة وأدت إلى نجاح الحرب ضد تنظيم «القاعدة» في العراق في الفترة بين 2006 و 2010.
 لقد أضاعتا بغداد وواشنطن فرص للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب منذ انسحاب القوات الأمريكية في عام 2011. وقد تخلت قوات الأمن العراقية تماماً تقريباً عن الصيغة الناجحة لمكافحة التمرد القائمة على السكان والتي وضعها التحالف بقيادة الولايات المتحدة، وارتكنت بدلاً من ذلك على الأساليب التقليدية التي تأتي بنتائج عكسية مثل الاعتقالات الجماعية والعقاب الجماعي.
 ولا يستطيع الجيش العراقي تحمل ضغط العمليات المستمرة خارج المدن - فقدراته اللوجستية آخذة في الانهيار كما ثبت أن قدراته الجوية والاستخباراتية غير كافية لتغطية المساحات الريفية الشاسعة في البلاد. ومع استبعاد الكثير من الخبرات العسكرية في عهد صدام حسين بسبب سياسة اجتثاث البعث، فإن الجيش الجديد المكون من مليون شخص والذي تم بناؤه منذ عام 2003 لم يحظى بالمرونة المؤسسية المطلوبة للاستمرار عقب الانسحاب الأمريكي.
 خطر وقوع أزمة
 إن الأمر الأكثر أهمية هو أن الحملة العسكرية لهزيمة المتمردين العراقيين تمثل انحرافاً عن الجهود السياسية المتزامنة. فرغم أن السياسيين العراقيين متمرسين في إبعاد البلاد عن المواجهة الطائفية في اللحظة الأخيرة، إلا أنه ليس هناك في العراق ما يعادل "لجنة تقصي الحقائق والمصالحة" في جنوب افريقيا، ولا يوجد حالياً أي نسخ عراقية من شخصيات مثل نيلسون مانديلا و إف دبليو دي كليرك - الزعماء الملهمين القادرين على معالجة تاريخ بلادهم المرير الذي تمثل بالديكتاتورية وعدم المساواة.
 وإذا استمر العراق في المسار الحالي، فسوف تحدث المواجهة على الأرجح، ليس في نطاق ما حدث في 2006-2007 لكن على نطاق سوف يدفع البلاد نحو أزمة عسكرية متكاملة الأركان. وسيكون من السهل تصور السنة العراقيين يعيشون في حالة شبه دائمة من الاحتلال العسكري من قبل قوات الأمن العراقية، وهي نتيجة قد تجعل الأزمة الأمنية في العراق تستمر إلى ما وراء العقد الحالي وتصبح جزءاً من المشهد الإقليمي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق