بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 16 أكتوبر 2013

ما هي معايير الرئيس المسيحي القوي وهل يمكن التوصل إلى تفاهم واتفاق عليه؟ اميل خوري اميل خوري

دعوة "تكتل التغيير والاصلاح" الى "وقف موجة التمديد وانتخاب رئيس مسيحي قوي" لا تكفي اذا لم يتوحد الموقف المسيحي حول مرشح قوي واحد او حول لائحة باسماء مرشحين أقوياء يختار الشريك المسلم واحداً منهم. الواقع ان تفرّق الزعماء المسيحيين عند كل استحقاق وعند كل موضوع مهم، هو الذي يعطل دورهم الفاعل، وليس سوى توحدهم ما يجعل لهم دوراً فاعلاً لا يستطيع احد أخذه منهم.
في الماضي كانت الانتخابات الرئاسية تنحصر بين مرشحين اثنين قويين او ثلاثة، وعندما كثر عدد المرشحين سهل اختيار الضعيف بل الأضعف من بينهم. وعندما اضطر البطريرك الكاردينال صفير الى وضع لائحة باسماء مرشحين للرئاسة الاولى كي لا يتحمل مسؤولية تعطيل الانتخابات، لم يختر الخارج اي اميركا وسوريا يومئذ أياً من هذه الاسماء إنما اختارا مرشحا من خارج اللائحة.

والسؤال المطروح هو: هل في استطاعة الزعماء المسيحيين ان يتفقوا على مرشح قوي واحد لرئاسة الجمهورية او على لائحة باسماء مرشحين اقوياء ليحولوا دون وصول مرشح ضعيف الى اعلى منصب ماروني في الدولة؟ فعندما انحصرت معركة الرئاسة بين العميد ريمون اده وشارل حلو وقفت الأكثرية مع حلو ما جعل النائب ادوار حنين يقول للعميد: "إن ضعفك هو في قوتك وقوة شارل حلو هي في ضعفه"... وعندما لم يتفق اركان "الحلف الثلاثي" الذي كان يتألف من زعماء موارنة اقوياء هم: كميل شمعون، بيار الجميل، ريمون اده على مرشح واحد منهم اتفقوا على أن يجرب كل واحد منهم حظه لمعرفة كم من الاصوات يستطيع ان يحصل عليها أكثر من الآخر لا سيما من النواب المسلمين، فكانت النتيجة أن أياً منهم لم يحصل على العدد المطلوب من هؤلاء النواب ليضمن الفوز، فلو أنهم اتفقوا على مرشح واحد من بينهم لكانوا قطعوا الطريق على اي مرشح آخر ليس من الاقوياء وكان شريكهم المسلم اضطر الى انتخابه.
البعض يرى انه اذا كان لمثل هذا الموقف الموحد ايجابيات، فان له سلبيات كونه يقضي على التعددية الضرورية داخل كل مذهب وطائفة، بحيث لا يصير لكل طائفة دولة، ولا تعود الصيغة اللبنانية الحالية تصلح للحكم عندما يصبح في استطاعة كل طائفة فرض ما تريد على الطائفة الاخرى فيستحيل عندئذ الخروج من الازمات الا اذا حل مكان النظام الحالي نظام "فيديرالية الطوائف".
وهذا يطرح السؤال الآتي: من هو الرئيس المسيحي القوي؟ أهو القوي بعضلاته وبتهوره، أم برجاحة عقله وتوازنه؟ أهو الرئيس الذي يعزز الوحدة الوطنية ويرسخ العيش المشترك ام الذي يصدّع هذه الوحدة؟ أهو الرئيس الذي يمثل طائفته فقط أم يمثل كل الطوائف ليكون قوياً بوقوف شعبه كل شعبه الى جانبه؟
عام 1988 نشر الزميل الراحل ميشال ابو جودة للزميل الراحل فاضل سعيد عقل مقالاً في زاويته (من حقيبة "النهار") تحت عنوان: "الرئيس القوي هل موجود؟ نعم!"، جاء في مقدمته قول للبطريرك صفير: "صلُّوا ليحكّم النواب ضمائرهم ويختاروا الرئيس الاجدر والاقدر". ويتابع المقال: "من حق اللبنانيين ان يطالبوا برئيس جمهورية قوي لأن الرئيس الضعيف عاجز لمجرد ضعفه. الرئيس القوي هو القوي بنزاهته وترفّعه عن النفع والتهافت على المصالح الشخصية. هو القوي بشجاعته وجرأته، بمصارحته وبمبادراته الوطنية الصلبة، بخبرته وتجاربه، بمعرفته للحق وتطبيقه على ذات النفس وعلى الآخرين لأن الحق لا يتجزأ بما فيه الذي لا مآخذ على نصاعته، بتصديه لكل أنواع الاستغلال، بتعلّقه بالشرعية والقانون نصاً وروحاً، بحبه للسلام والحوار، بمؤهلاته العلمية والثقافية والمناقبية، بايمانه بلبنان وطناٍ سرمدياً نهائياً لجميع ابنائه في رعاية قواعد العدالة والمساواة، ايماناً صلباً جذرياً لا يتزعزع، بارادته أنه يكون لبنان وطناً حراً سيداً محرراً مستقلاً قوياً صاحب دور وريادة، بقدرته على جمع فئات الشعب اللبناني كلها حوله ومنحها إياه ثقتها من دون شروط، بمواقفه الحازمة الصارمة في وجه العابثين بالمصلحة العامة وباستقرار اللبنانيين وكرامة لبنان، وبكونه صاحب قرار وطني مستقل يتحمل المسؤوليات ويدرك خطورتها وضرورتها، وبفرض الهيبة لمقام الرئاسة ويوحي بالاحترام ولا يقبل ان تمر الارادة الوطنية في أي مكان بمعزل عن لبنان او خارجه، وبكونه يترفع عن الاحقاد والانتقامات، ولا ينحني أمام احد ولا يتسكع ولا ينتظر امام الأبواب، وبكونه قوياً بالشرعية اي بمؤسسات الدولة".
وكان أبو جودة كتب في الزاوية نفسها قبل أيام قولاً للرئيس حسين الحسيني، وفيه انه يرفض "المجيء برئيس كيفما كان، رئيس معدوم العافية ولا يستطيع انقاذ لبنان ولا المساهمة في تغليب الدولة والشرعية على كل البؤر غير الشرعية. فإما الدولة وإما الانهيار، ونحن في الانهيار".

فما أشبه اليوم بالبارحة...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق