بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 20 أكتوبر 2013

أينعت... لكن قطافها لم يحن بعد عبدالله إسكندر

وصلت الدولة ومؤسساتها في لبنان الى حال من التفكك والتعطيل والاهتراء لا سابق لها حتى في أحلك أيام الاقتتالات الداخلية. وليس الوضع الحكومي الحالي سوى رأس جبل الجليد، رغم ما هو عليه من سوريالية.
ثمة ميل غالب الى القاء مسؤولية هذه الحال على جميع اللبنانيين الذين لم يتمكنوا بعد من التفاهم على كيفية تعايشهم وحكم بلدهم. وكأن ما يشهده بلد الارز مجرد خلافات سياسية على حصص في السلطة والحكومة، يمكن تجاوزها بمجرد الوصول الى اتفاق على التقاسم.
لكن الوضع الراهن في لبنان تجاوز المرحلة التي يمكن فيها التقاسم. وتعتبر ازمة تشكيل الحكومة ابلغ تعبير عن هذه الحال.
فرئيس الجمهورية (أي المسيحيين عموماً) ورئيس الحكومة المكلف (أي السنّة عموما) يسعيان الى صيغة ثلاثية يتساوى فيها المسيحيون والسنّة والشيعة (8+8+8). لكن «حزب الله» يريد ان تكون له القدرة الدستورية على التعطيل داخل الحكومة، عبر مطالبته بأن يستحوذ على الثلث زائد واحد في الحكومة. اي انه يعلن عزمه على ابقاء القرار في يديه، خصوصاً لجهة تعطيل العمل الحكومي الذي لا يرضيه ويبقي هيمنته على قرار الدولة اللبنانية.
قد يكون ذلك صحيحاً، خصوصاً ان استحقاقات تنتظر الحكومة اللبنانية، مثل تمويل المحكمة الدولية الخاصة التي تتهم عناصر في الحزب باغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، ومثل الملفات المرتبطة بالتنقيب عن النفط، ومثل التزام النأي بالنفس عن الصراع في سورية. بالتأكيد، ان «حزب الله» معني بهذه الملفات ويرغب في البت فيها بما يتناسب مع المصالح التي يمثلها، وتالياً لهيمنته على القرار الحكومي اهمية كبيرة بالنسبة اليه. لكن في الواقع يتجاوز سلوك الحزب في لبنان هذه النظرة المصلحية الآنية الى ما هو ابعد من ذلك، الى جعل كل مفاصل المؤسسات اللبنانية في يديه. فهو يحتكر القرار في المؤسسات والاجهزة التي باتت تابعة له، ويسعى الى تعطيلها في المؤسسات والاجهزة التي لا تزال تعاند سيطرته، ومنها الحكومة والمديرية العامة لقوى الامن الداخلي وفرع المعلومات فيها، وذلك لاسباب ليست بعيدة عن حال الفرز المذهبي.
ولم يكن ممكناً ان يوصل «حزب الله» الوضع اللبناني الى هذه الحال لولا عمله الدؤوب والمتأني والمتعدد الاتجاهات من اجل تفكيك المؤسسات واعادة تركيبها وفقاً لرؤيته. لقد عمل الحزب، بدعم ايراني - سوري، من اجل خلق الفراغ في الدولة اللبنانية ومؤسساتها، على ان يكون قادراً على ملئه في الوقت المناسب. وهذا ما حصل على امتداد السنوات الطويلة منذ اعلان قيام الحزب، عبر الاقتطاع التدريجي من الدولة وسيادتها ومسؤولياتها وتجييره الى الحزب وأجهزته، وذلك على كل المستويات وليس العسكري فحسب. وفي كل مرة يسجل فيها الحزب «انتصاراً»، كان يقضم مزيداً من الدولة وسيادتها.
لقد بات الوضع اللبناني مهترئاً وهشاً الى حد انه قد يسقط في أي لحظة على نحو لا قيام بعده. وهذا ما يعبّر عنه، حالياً، بالمخاوف من الفراغ الدستوري اذا لم يتم تشكيل حكومة جديدة، وفي ظل حكومة تسيير اعمال. لكن مثل هذا الفراغ مطلوب من «حزب الله»، لانه وحده بين القوى السياسية قادر على ملئه، بعدما عمل طويلاً على خلقه.
لكن لماذا لا يتقدم الحزب حالياً ويأخذ السلطة التي باتت ناضجة بالنسبة اليه؟ الارجح ان الامر يتجاوز التهيب ازاء وضع اليد على لبنان الى الحسابات الاقليمية والدولية الايرانية. خصوصا ان طهران منغمسة مجدداً مع الغرب في لعبة ديبلوماسية تتعلق بملفها النووي وبملف التسوية في سورية. وما دامت ايران غير مضطرة للحسم سريعاً في هذه الملفات، او ما دامت التسويات غير واضحة المعالم، يبقى الوضع اللبناني ورقة مساومة، ومن الافضل ان تبقي المسؤولية الصورية لادارته خارج هيمنتها المباشرة.
"الحياة اللندنية"


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق