حتى الآن, غير معلوم الكيفية التي يتم
بها اختيار الوزراء وتعيينهم, ولي هناك آلية واضحة يمكن القياس عليها, فسوابق
تعيين الوزراء جميعا تدل دلالة أكيدة وبالغة على أن معيار الكفاءة والخبرة المعززة
بسيرة ذاتية عامرة بالإنجازات والنجاحات ليس له محل إعراب, ولا أي اعتبار عند
تشكيل الحكومات. وأي مواطن يطمح بدخول الوزارة, عليه أن ينسى تماما أنه قد يأتيه
يوم يتم فيه توزيره لجده واجتهاده وكفاءته. هذا المعيار ساقط تماما, وأتحدى من
اليوم, وإلى قيام الساعة إن استطاع أي منكم أن يأتيني باسم وزير واحد تم توزيره
بناء على كفاءته وشطارته وسلسلة إنجازاته.
آلية اختيار الوزراء,
وإن كانت غير واضحة المعالم على المستوى العملي, إلا أنها مكشوفة نظريا, ويمكن
للدهاة والمتسلقين الوصول بسرعة ويسر لتولي منصب الوزير. وهناك طرق عدة للوصول إلى
المنصب الوزاري, منها, الانضمام إلى تيار سياسي أو ديني - يحبذ تيار ذو نفس معارض
- ومنها, المواظبة من دون انقطاع على زيارة دواوين أقطاب الأسرة, بالمناسبة,
قبل
نحو 10 سنين, تم تعيين أحدهم وزيرا للعدل والأوقاف, فقط لأنه كان أول من يدخل
الديوان وآخر من يغادره - بصراحة "خوش" مؤهلات - أما ثالث طرق الوصول
إلى الوزارة, فيكون بالالتصاق بالأسر التجارية المؤثرة... بين قوسين, "غرفة
التجارة".
هذه هي المعايير
الثلاثة التي على أساسها تتشكل الحكومات في بلادي, ولعله من المفجع أن تتعالى
صيحات الساذجين قبل كل تشكيل وزاري جديد, لتطالب بوزراء "تكنوقراط",
وهذه المفردة تعني نخبة الفنيين والمتخصصين والمشتغلين في العلم والاقتصاد
والتكنولوجيا وغيرها من المجالات, ومثل هؤلاء - كما هو واضح من طبيعة عملهم - غير
متفرغين للعمل السياسي المنظم ولا وقت لديهم للمجاملات والواجبات الاجتماعية,
وبالتالي يستحيل اختيار أي منهم لتولي الوزارة لعدم انطباق أي من المعايير الثلاثة
عليهم. ويؤكد هذا إن جميع من تم تعيينهم شكليا كوزراء "تكنوقراط", إنما
هم سياسيون معتقون أو مرتبطون بعلاقات وثيقة مع أقطاب الأسرة والنخب التجارية.
بقي أمر أخير, وإن كان
لا يرتقي لمرتبة المعيار, إلا أنه يمكن الأخذ به كأحد طرائق التوزير, فأحد وزراء
العدل السابقين, وقد كان نائبا معروفاً بكثرة تقديم المقترحات, يمتلك الحظوة
والنفوذ ما يتيح له توزير أي شخص يريد! والمفارقة, أنه رغم من ليبراليته المشهودة,
إلا أن أغلب من زودهم بـ "كرت توصية" كانت ميولهم "إخونجية",
والأغرب انه يركز على وزارات بعينها, إذ يكتب على ظهر "كرت التوصية"
الصادر منه الجملة التالية: "حامل الكرت يعز علينا, يرجى تعيينه وزيرا
للكهرباء أو الأشغال أو النفط أو التجارة". ولو راجعتم لعشر سنوات خلت, أسماء
الذين تولوا هذه الوزارات - ومعهم المواصلات أحيانا - لاكتشفتم أن 70 في المئة
منهم معينون بـ "كرت توصية" من هذا السياسي الواصل!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق