بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 4 ديسمبر 2013

الأمن الثقافي المجتمعي - عالية طالب


يمكن القول اننا من أكثر الشعوب التي استخدمت كلمة "الأمن" في حياتها اليومية بدءا بالأمن السياسي، الاقتصادي، الغذائي والاجتماعي، وصولا إلى الأمن الثقافي الذي يمثل قاعدة مجتمعية أساسية تدخل في مجمل مفردات الأمن التي عددناها سلفا. وتعمل العديد من الدول على تحصين أمنها الثقافي بطرق متعددة بعضها دستوري وبعضها
قانوني وبعضها يدخل ضمن مفردة الأعراف والتقاليد، وهي إذ تستخدم هذه الطرق
منفردة ومجتمعة فانها تحافظ على كينونة تأريخها وحاضرها وخطوات مستقبلها من التعرض لأية محاولات للتشويه أو إدخال مفاهيم ناسخة تعمل على تغيير مفاهيم راسخة لتحويلها إلى بؤرة الشك أو الاعتقادات الخاطئة.
وإذا ما حاولنا استعراض بعض من التهديدات الملموسة للأمن الثقافي المحلي فاننا سنجد قائمة طويلة في هذا" البعض" وإذا ما دخلنا في تفاصيل التفاصيل فسنكتشف مناطق رخوة مهملة تؤشر احتياجا حقيقيا للبحث والتأشير والاستدلال والكشف عنها في مؤتمرات وورش عمل وبحوث ودراسات ومقالات، لا بد لها أن تأخذ المبادرة في وضع أصبعها على خطورة هشاشة الأمن الثقافي على المشهد الفكري والمنهج الوضعي، وإذا ما أردنا تحديدا لمعنى خطورة الثقافة إذا ما دخلت في ورشة نسخ المفهوم الحقيقي واستبداله بمفهوم مفخخ، فان علينا أن نتصفح بعض التعريفات السابقة حيث أشار«كنت» بأن الثقافة هي مجموعة من الغايات التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية، انطلاقا من طبيعته العقلانية، ويعرف «هيردر» الثقافة أنها الصورة أو الهيئة العامة لحياة شعب أو أمة، أما «تيلور» فيعرف الثقافة بأنها مركب يتضمن جميع المعارف والعقائد والفنون والقوانين والتقاليد وجميع التنظيمات والعادات المكتسبة من طرف الإنسان كعضو في المجتمع. 
وهنا تبرز لدينا أهمية التوازن المطلوب في تقديم الثقافة بمختلف أوجهها دون أن نجعلها تهدم قيما فردية وجماعية مثلما تفعل الأغنية العراقية اليوم على سبيل المثال، وهي تزدحم بكل ألفاظ الشتائم البائسة والانحلال الاخلاقي الذي بات الشباب يرددونه بمناسبة ودونها، ويمتلئ بها فضاء الشارع العراقي من سيارات النقل العام ومكاتب التسجيلات، وتتشارك بعض المصطلحات المستخدمة من قبل بعض المنظمات والكتاب والمحدثين في تكريس مفاهيم مرفوضة ومنها عبارة "الناطقين باللغة العربية" وهو ما يعني ان هؤلاء لا يفترض أن يكونوا عربا، بل هم اكتسبوا المعرفة باللغة بغض النظر عن الانتماء المفترض لمنطقة عربية، ومثلها ما يفعل المسرح وما تقدمه السينما من أفلام مستوردة لا تجد منافسة عربية ومحلية جيدة تحمل الرد الحضاري الحقيقي للترويج المستهجن لصورة الثقافة والواقع المحلي، وهي تتقصد إظهاره بطريقة سلبية وهمجية وبدائية بائسة ومعهما ما تفعله عروض الأزياء التي تستخدم الزي العربي التراثي بطريقة تسيء إليه وتنسف ما توارثته المنطقة من أزياء لها مدلولات ثابتة في الإشارة للجغرافيا والتأريخ اللذين أسهما في إيجاده.
الأمن الثقافي المحلي بحاجة إلى تفعيل قوانين تعمل بقوة الردع على إيقاف التردي الحاصل في الجوانب المتعددة للحياة المجتمعية وهو لا يقل أهمية عن أشكال الأمن الأخرى كونه يتعلق بفكر وسلوك وفهم ووعي ولياقة وعطاء واستقراء وتطبيق الواقع وترصين منافذه لتعمل على تهيئة قاعدة صلبة ليرتكز عليها المجتمع، وهو يعاني من تشظيات متعددة طالت جوانب مهمة في حياته الخاصة والعامة، وبما شكل ويشكل مشهدا مغايرا لما تعمل عليه التطبيقات المطلوبة لإنشاء حياة متخلصة من شوائب كثيرة تطال بنية الإنسان الذي به وبإدراكه الواعي تبنى الأوطان وتزدهر، وليس بتسويف مصادر الخطر ومكمنه والسماح للظواهر الشاذة بالتواجد والنماء في بركة باتت تتسع لتصبح مستنقعات قد لا يسهل الخلاص من آثارها لاحقا. 





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق