اصوات تتعالى وسط زحام شديد، ووجوه تتلفع بالشمس لترسم فوق ملامحهم الغائرة، سمرتها التي تستوطن الوجوه، مشهد لباعة سوق الهرج في ساحة الميدان، لايتكرر سوى مرة واحدة في الاسبوع، هو ظهيرة الجمعة القائظ، المحمل بأمنيات الرزق وديمومة الحياة . انتيكات مبعثرة، رسمت السنون فوق صفحاتها المنطفأة، والمتوارية خلف تاريخ غابر، قيمة تراثية قد لاتقدر بثمن، وهناك تلوح للنظر ساعات يدوية متنوعة، قد لاتعجب وانت ترى اجزاءها الدقيقة وقد بعثرت بدون اكثراث فوق ( بسطية ) متآكلة، مثلما تجد فئات نقدية متنوعة، تحمل بين ثناياها صورا لرموز ولّت من الذاكرة، واخرى لم تزل تغازل مخيلتنا على استحياء.
هذا المنظر المكتظ بالتراث، وهشيم الارصفة المتآكلة، ونظرات الباعة التي تطارد وجوه المتبضعين، وتتمعن خطاهم، يمنحنا التأمل في هذه السوق التي لم تغير هويتها منذ سنوات طويلة، هذا الملتقى (الجمعوي) الذي يضج بدبيب الحياة ونكهة التراث البغدادي الذي لايتكرر عند الكثير من الشعوب والامم .
دلالات تراثية
الحاج ابو محمد، امضى اكثر من ثلاثين عاما يتلذذ بسماع اصوات الباعة الذين حفظهم عن ظهر قلب يقول:
تعج هذه السوق بالحاجيات النادرة التي تحمل دلالات تراثية يعشقها البعض، بل وهناك من الرواد الذين ربطتنا علاقة وثيقة بهم حتى بعد ان غادروا الوطن، فهذا المكان الذي اصبح عمره الآن اكثر من مئة عام، اصبح ملاذا للكثير من المتبضعين الباحثين عن الاصالة والاشياء التراثية المعتبرة فضلا عن بقية الادوات المستعملة التي تضاهي بجودتها ماموجود الآن من ماركات تجارية لاتذر ولاتنفع مثل الخلاطات والحنفيات وسائر المواد الصحية وكذلك الاجهزة الكهربائية المتنوعة .
ماركات تجارية
السيد علاء البغدادي احد رواد السوق منذ اكثر من 25 عاما يقول: تعودت الحضور الى هذه السوق صباح كل يوم جمعة، للتمتع برؤية الاشياء القديمة وانا شخصيا تستهويني آلات التسجيل والاسطوانات القديمة التي مازالت تحمل بين ثناياها اجمل الاصوات واعذبها وخاصة قّراء المقام العراقي .
ودعا البغدادي امانة العاصمة الى تطوير هذه السوق الاثرية التي بعثرتها فوضى الاشياء المعروضة حيث دخلت بعض السلع الطارئة على خصوصية هذه السوق، وحذر من اندثار اسواق بغداد التي تعد من ابهى ملامحها ومازالت تدور ذكراها في مخيلة العديد من الناس في داخل العراق وخارجه .
مواد اصلية
البائع ابو عبدالله يطيل النظر كثيرا على الاشياء المتوزعة بطريقة غير منتظمة فوق خرقة قماش قد لاتصمد كثيرا يقول:
انت ترى الان انا ابيع الحنفيات الاصلية وملحقاتها ولدي بعض الزبائن الذين ينتظرون مني ان اتصل بهم لإزف لهم بشرى الحصول على ضالتهم في توفير بعض اجزاء الخلاط او قلب حنفية اصلي قد يعمر في بيته خمسة اضعاف من الزمن بما موجود من ماركات تجارية رديئة . وحول المردود المادي الذي يحققه من هذه المهنة اضاف:
احيانا لاتفي هذه الاشياء بأبسط مقومات الحياة، وحينما يرى الناس هذه القطع التي أكلها الصدى، يتهكمون علينا بالقول من يشتري هذه النفايات ؟، لكن هناك من يدفع بهذه القطع مبلغا يقترب من القطعة الجديدة والحمد لله تعودنا على هذا العمل ونحاول التكيف مع تقلبات السوق والوضع المعاشي الصعب .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق