الكثير من المحللين والمثقفين الحزبيين والمذهبيين
عندما يستعرضون التجارب العربية على مدار نصف قرن وأكثر, وما انتهت إليه تلك
التجارب جراء ما لقيته من حسم وقسم في المواجهة غير
المسبوقة مع الغرب وخاصة أمريكا بالمقارنة بما تواجهه إيران وتجربتها
الأصولية التي ترفع شعار الموت لأمريكا ! دون أن يكون لها أراضٍ محتلة أو في
جوارها دولة إرهاب معتدية , يدركوا أن حل
اللغز هو أن طهران متآمرة على
جيرانها وقضاياهم , وهو سر بقاء وتقدم تجربتها , ولا ينقصهم الدليل على ذلك إذا ما
استشهدوا بمواقف طهران السياسية مع العرب , و بآرائها المذهبية , وإفرازاتها
الطائفية التي تزيد من حجتهم قوة , ثائرين بذلك لأنفسهم من أنفسهم , حيث تتسع
العباءة الإيرانية و اللفة الشيعية ليوارو بها عيوبهم ويداروا بها نقصهم,
فلا يستفيدون بذلك من تجارب غيرهم لتجارب مستقبلهم , علماً أن نجاح تجربة ما
لدولة ما تكمن في معرفتها لمكانتها , والغاية من وجودها و طبيعة دورها ومحيطها
وحجم إمكانياتها وتوازناتها التي تحكمها , وكذلك قدرتها على خلق التحالفات,
وافتعال الأزمات لخصمها, وتحديد حركة المد والجزر في علاقاتها, وقدرتها في ترتيب
أولوياتها وتعبئة طاقاتها, واستقرارها الداخلي بالسيطرة ولاحتواء , وهذا ما قامت
به إيران وأتقنته, فهي تعي جيداً التوازنات الدولية ومدركة جداً لمحيطها العربي
حيث تعرف مداخله ومخارجه , وتميز بين خطاباته وأفعاله , كما أن إيران أثبتت
كفاءتها العالية في خلق التحالفات وافتعال الأزمات , بدءاً من أفغانستان, والعراق,
ولبنان, وفلسطين ,فدولة نفطية بحجم إيران , ذات مشروع قومي يستند على ارث حضاري و
تاريخي تميز بتجربته التوسعية التي وصلت شواطئ اليونان , وأيدلوجية مذهبية طامحة
دانت لها يوماً مصر والشام , و صاحبة الثورة التي حافظت على مقدرات الشعب وانجازات
الدولة , والتي استبدلت مفهوم تصدير الثورة بمفهوم نشر مخالب الدولة حيث نشرت
مخالبها في المنطقة وفي كثير من دول العالم , كما أصبح بمقدرها خنق الدول المهزوزة
والمجتمعات المأزومة, مما شكل لها خط دفاع متقدم في أرض العدو, وشبكة علاقات واسعة
ومراكز نفوذ قوية تحقق مصالحها ومآربها , فقد وضعت الدولة الخمينية منذ
اليوم الأول لحكمها أغلب إمكانياتها المادية والمعنوية لدعم السياسة الخارجية
لإيران وقد نجحت بذلك واستطاعت إقامة تحالفات أكثر مصداقية من تحالفات العرب
القائمة مع الغرب وأمريكا المؤسسين "لإسرائيل" والساعين لتزعيمها على
دول المنطقة لتصبح بذلك دولة الاحتلال والإرهاب سقفاً لتحالفاتهم وعلاقاتهم
ويصبح استجداء السلام برنامجهم السياسي, بينما تحالفات إيران فتحت أفاق جديدة
أمامها , فطورت من قدرتها العسكرية والنووية وعززت من دورها السياسي وفرضت نفسها
كقوة متنفذة لا يمكن للتّوجهات والسياسات والمشاريع الدولية في
المنطقة أن تنجح كما هو مخطط لها دون الأخذ بمصالحها بعين
الاعتبار , وأن من مصلحة أمريكا والغرب التفاوض معها وتفهم مصالحها في بعض المسائل
والقضايا الإقليمية التي لم تفتح أو تسوى ملفاتها في دهاليز صنع القرار الأمريكي
والغربي , و خاصة و أن محاولة تحجيم إيران عسكرياً في الوقت الحالي يعتبر مغامرة
خطيرة لا يسمح الوضع الاقتصادي الأمريكي تحملها, لذا جاء الاتفاق الأمريكي
الإيراني حول برنامجها النووي اتفاق توازنات دولية
وإقليمية, لكن ماذا لو انتهى برجحان كفة إيران ؟ فأي مستقبل ينتظر إيران والمنطقة؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق