
يومان آخران وندخل في النصف الثاني من أيام شهر رمضان المبارك. شهر رمضان الذي بات منذ سنوات عدة شهر المسلسلات التلفزيونية من دون منازع. في شكل ما، يمكن القول ان الوقت لا يزال أبكر من أن يسمح لنا برصد جردة، نقدية أو حتى إحصائية كاملة، لما قدمه اصحاب هذه المسلسلات لجمهورهم الذي اعتاد ان يكون متعطشاً في انتظار جديدهم. ومع هذا، قد يمكن القول منذ الآن، إن ما شاهدناه لا يخرج في شكل عام عن مستوى العادية، أي ان ليس ثمة حتى اللحظة اي برنامج أو حلقة من مسلسل، أو وهذا أضعف الإيمان، مشهد توقّف المشاهدون عنده مندهشين من روعة الأداء أو ذكاء الحوار، أو حتى غرابة الأماكن أو صياغة العلاقات. كلّ شيء يبدو حتى الآن محسوباً بدقة يسير على الدروب المعتادة. أي بكلمات أخرى، كلّ شيء يبدو مملوءاً بما عُهد من أمثاله في السنوات السابقة. كلّ شيء يبدو مجرد إعادة إنتاج لما سبق ان أُنتج عشرات المرات. ولكن مع فارق كبير فحواه انه لئن كان هذا المنتَج نفسه جديداً مفاجئاً في السابق، فإنه الآن يبدو عابقاً ببلادة لا تحتمل!
إذاً، حتى اليوم، لم يشدّ اي مسلسل، أو برنامج، جمهوراً ولم يطلق صرخة إعجاب من حنجرة... ومن المؤكد ان حبراً كثيراً سيسيل للحديث عن هذا بعد اكتمال الشهر وبدء الحساب. ولكن هذا الانتظار لا يمنع المرء من إبداء الدهشة أمام هذا التراجع في المواضيع والتعبير الفني عنها، إن هو – اي هذا المرء – تأمل في المشهد العربي العام الذي يحيط بنا منذ سنوات... فهو مشهد أقل ما يقال فيه انه يحبل بالمواضيع والأفكار وحسب المرء ان يطل على الأخبار السياسية والاجتماعية والأمنية وعلى ما يحدث حتى داخل العائلات وفي ثنايا المجتمعات، حسبه ان يطلّ على إعادات النظر اليومية في «يقينيات» التاريخ ومسلّمات المجتمع وصراعات الأجيال وغيرها ليغرف ما يمكن غرفه من مواضيع وأفكار. وحسب المرء أن يتنبه الى ان ثمة نوعاً من الحرية التعبيرية بات يمكن الحصول عليه والاستهداء به فيساعد على إبداع تلفزيوني جدي لسنا نعتقد اليوم ان ثمة رقابات حقيقية يمكن ان تلجمه... حسب المرء ان يتمعن في هذا كله ليجد المواضيع متوافرة و «المعاني مرمية في الطريق» كما كان الناثر العربي يقول في الأيام الغابرة، فينقل هذا كله الى أعمال لا ريب في انه من دون انتشارها، بأفكار «ربيعية» جديدة، لا يمكن الفن ان يواكب التبدلات العميقة التي تعيشها مجتمعاتنا.
نعرف ان كثراً من فنانينا الشعبيين لا يتوانون عن تلبية نداء الواجب الوطني فينخرطون في الحراك والاحتجاج وبناء العالم الجديد، وهذا أمر يشكرون عليه... لكن الأكيد ان أجرهم عليه لن يكتمل إلا حين يزيحون البلادة عن أعمالهم الفنية تماماً كما يزيحونها عن نشاطهم الوطني!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق