بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 21 يوليو 2013

الربط القاري بين أوروبا وأفريقيا - محمد الأشهب




عندما قاد العاهل الإسباني خوان كارلوس وفداً رفيعاً من رجال الأعمال والسياسة في اتجاه المغرب، كان واضحاً أن موازين تطلعات بلدان جنوب البحر المتوسط نحو الشمال الغني انقلبت، فقد جاء وقت اضطرت فيه دول الضفة الشمالية للبحث عن متنفس، لم تجده سوى في جوارها الذي لا يفصله سوى البحر. وبعد أن كان مفهوم الشراكة مع الاتحاد الأوروبي يسيل لعاب الراغبين في الإفادة من التزامات المساعدة في التنمية، وفق شروط صارمة تجمع بين وصفات احترام حقوق الإنسان والامتثال لقيم التعاقدات، بات البحث الأوروبي عن فضاءات متبادلة للاستثمار هاجساً محورياً.

لا علاقة مباشرة بين نفض الغبار عن مشروع الربط القاري بين أفريقيا وأوروبا عبر مضيق جبل طارق ومضاعفات الأزمة الراهنة، ففي أقرب تقدير أن الكلفة الباهظة لمشروع ذي أهمية إستراتيجية تتجاوز نفق بحر المانش، لا يمكن أن يعرفها غير مانحين أسخياء يقيسون جدوى المشروع، بما يترتب عليه من منافع اقتصادية مشتركة. لكن اللافت أن الأمم المتحدة أحالت مسودة المشروع على المجلس الاقتصادي والاجتماعي في جنيف، بهدف معاودة تقليب صفحاته التي كاد يلفها النسيان منذ أكثر من عقدين، وسط تضارب الآراء والتقديرات التي توزعت بين المجالات التقنية والمردودية الاقتصادية، بخاصة بالنسبة للطرف الأوروبي.
وأرجئ البحث في المشروع، من دون إلغائه بدوافع سياسية واجتماعية، ليس أبعدها أن بلدان الاتحاد الأوروبي أقرت اتفاق "شينغن" للحد من تدفق المهاجرين القادمين من بلدان الجنوب. وتحولت ظاهرة الهجرة غير الشرعية إلى هاجس أمني وسياسي يؤرق المنتديات الأوروبية، في أي وقت يثار فيه ملف العلاقات وبلدان الجنوب. ومن المفارقات أن إسبانيا تحديداً، أقرب نقطة إلى آخرها في الفضاء الإفريقي، كانت عمدت إلى إقامة حواجز الأسلاك الشائكة وأجهزة الإنذار المبكر لتسييج محيط مدينتي سبتة ومليلية، ضمن أجندة الحد من تدفق المهاجرين، فكيف لها أن تعبّد الطريق فوق البحر أو عبر نفق في عمق البحر المتوسط يربط بين إفريقيا وأوروبا؟
الحلم وحده في إمكانه أن يعيد لليابسة التي انشقت لتفصل بين قارتين في أزمان غابرة، الاتصال من جديد، وما عجزت عنه الطبيعة يمكن للإنسان أن يعاود ترميمه، فالمشروعات الكبرى تخضع دائماً لرهان تحدي الطبيعة، إذ تشيد المباني المقاومة للزلازل، أو يصار إلى تحلية مياه البحر المالحة، أو يتم اختزال المسافات بين أرجاء الكون عبر الطائرات الفائقة السرعة التي تسابق الصوت. غير أن دراسة الجدوى تفرض نفسها، ولولا أن غزو الفضاء مكَّن من تثبيت سطوة العوالم المتقدمة لجهة احتكار ما تحت الأرض وما فوقها لما كان الإنفاق الباهظ.
في مشروع الربط القاري بين إفريقيا وأوروبا تبرز رهانات ومخاوف، وبين تسهيل المواصلات وتأمين نقل البضائع والسلع بكلفة أقل وسرعة أكثر، أي ترجيح الجانب التجاري والاقتصادي الذي يحبذ إقامة جسر عملاق، كما في الطرق السيارة التي قربت المسافات، وبين تزايد مخاطر الهجرة غير الشرعية وتدفق جموع الفارين من الجوع والمرض وشظف العيش في مناطق التوتر والبؤس على الخارطة الإفريقية، لا بد من تصور يقلص فجوة التباعد، أقربه الانشغال بحل مشاكل وأزمات القارة الإفريقية، في تحدياتها الأمنية والاقتصادية، على أن يترك القرار السياسي حراً مستقلاً.
بيد أنه قبل التفكير في إقامة جسر عملاق يربط بين قارتين، يتعين القيام بثورة في ميدان المواصلات تمكن الدول الإفريقية من تقريب المسافات بعضها مع بعض. وسيكون من المفارقة إقرار مشروع ضخم بهذه الأهمية لا يوازيه تطور كبير على صعيد تأمين بنيات مواصلات تستجيب لرغبات الشعوب الإفريقية في الانفتاح والتفاعل في ما بينها. وإلى الآن لا زالت إشكالات الحدود وتباين الأنظمة الجمركية وصعوبات التنقل من أبرز عراقيل التنمية في الفضاء الإفريقي. بل إن منطق الانكفاء وإغلاق الحدود لا يزال ساري المفعول، في مواجهة خلافات سياسية، مع أن الأصل أن إلغاء الحواجز يساعد على تقريب الفجوات، فيما الانغلاق يزيد في سمكها.
الأوروبيون بدأوا شق الطريق نحو الوحدة عبر النهوض بقطاع المواصلات، وكان لتدفق الحديد والصلب بين ألمانيا وفرنسا الأثر البالغ في تجاوز خلافات تاريخية وسياسية عميقة، لذلك ارتبطت التوجهات الوحدوية بتفاهم سياسي كبير. وفي الوقت الذي يزيد فيه الانشغال الأوروبي بالعمق الاقتصادي والتجاري الذي تمثله دول الجنوب في القارة الإفريقية تحديداً، لا يبدو أن أبناء القارة السمراء يبادلون الانشغال بجهد مماثل، أقله تحسين العلاقات بين أطراف القارة، والاتفاق على حد أدنى من الاعتبارات التي يحظر الاقتراب إليها، وفي مقدمها التكامل الاقتصادي ودعم أشكال المفاوضات مع باقي الشركاء الأوروبيين أو من مختلف العوالم.
الأهم أن مشروع الربط القاري بين إفريقيا وأوروبا لم يقبر في زمن الإغفال عن أهمية المنجم الإفريقي العميق، ولا بد أنه سيزيد حيوية كلما أحست أوروبا بالاختناق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق