لا بدّ في الذكرى السنوية لحرب تموز من تجاوز الطقس الاحتفالي بالانتصار الى التأمل في المخاطر والتحديات التي تواجه المقاومة وحلفاءها. هذا في ما يجوز القول إن المخاطر الراهنة التي يتعرض لها مشروع المقاومة ليست سوى امتدادات لنتائج تلك الحرب.
لقد أنتجت حرب تموز معادلة جديدة في الصراع مع العدو. فالمقاومة انتقلت في مواجهة الإسرائيلي، بفعل هذه الحرب، من «القدرة الدفاعية» الى القدرة على «التوازن الاستراتيجي» معه. وهي في أي حرب مقبلة، قادرة على الارتقاء بالمواجهة من موقع صد العدوان الى موقع الهجوم. ويمكن القول بشيء من الطمأنينة إن المقاومة تتحضر، على الجبهة الاسرائيلية، لمعركة واحدة وأخيرة، هي معركة وضع اسرائيل على سكة الزوال. وان كان البعض يرى في مثل هذا الكلام مبالغة، فإن القريبين من المقاومة والمحيطين بها يدركون ان هذا السيناريو أصبح لدى المقاومين خطة عمل جاهزة للتطبيق.
المعادلة هذه باتت، في حسابات الإسرائيليين، أمراً واقعاً يجعلهم أقرب الى انسداد الأفق في التعامل عسكرياً مع المقاومة وحزبها. هذا الامر خلق حافزاً جدياً لدى تل ابيب وحلفائها للدفع باتجاه خيارات أخرى بديلاً من المواجهه التقليدية. يعني، ببساطة وبعيداً عن تعقيدات التحليل، ان هناك محاولات لمحاربة المقاومة، بعيداً عن الجبهة الإسرائيلية، واستدراجها الى معارك تخرج فيها من مكامن قوتها الى اماكن ضعفها.
اذا كنت لا تستطيع النيل من الحقيقة، فالبديل هو العمل على ايجاد حقائق مشوهة الى جانبها. القاعدة هذه هي التي تحكم خطوات خصوم المقاومة في استهدافهم لها، يدل على ذلك محاولات تشويه المقاومة من خلال اصطناع حقائق مشوهة على تماس معها ومحيطة بها.
لم يستطيعوا تشويه سلاح المقاومة مقدمة لإسقاطه، فأوجدوا الى جانبه سلاحاً ميليشيوياً مشوهاً (صيدا، طرابلس، طريق الجديدة، عرسال...). ليصار بعد ذلك الى المساواة بين السلاحين والمطالبة بإسقاطهما معاً او الإبقاء عليهما معاً.
لم يستطيعوا النيل من لا مذهبية حزب المقاومة، فقاموا بالحشد مذهبياً في وجهه، حتى يبدو متموضعاً في جبهة مذهبية ومنساقاً الى فتنة لطالما حاول الهروب منها. والنتيجة، أن «حزب الله» جماعة مذهبية تستهدف الطائفة السنية!
لم يستطيعوا النيل من الاسلام السياسي الذي ينتمي اليه «حزب الله»، فخلقوا تجارب سياسية إسلامية مشوهة تهدف الى وضع الاسلاميين كافة في خانة واحدة من الفشل والتطرف من دون تمييز. حتى ان البعض ذهب الى المساواة بين الاسير والحزب في تطرفهما على خلفية انتمائهما الاسلامي. والنتيجة ان «حزب الله» حركة اسلامية متطرفة ويجب عزله من السلطة!
كما لم يكن بمقدورهم فك الارتباط بين المقاومة وحليفتها دمشق، فاحتضنوا حراكاً وشوّهوه في سوريا حتى تسقط المقاومة في فخ ازدواجية الموقف بين الثورة السورية وغيرها من الثورات العربية. نتيجة ذلك ان المقاومة منحازة الى الشعوب ضد الانظمة في مكان، بينما هي الى جانب «نظام شمولي» على حساب تطلعات الشعب في مكان آخر!
ايضاً، مقابل عجزهم عن دفع المقاومة الى التخلي عن اولويتها في مواجهة اسرائيل، تم اتخاذ «حماس» كنموذج لمقاومة تجمع في وقت واحد بين اولويتي مواجهة الاحتلال والانخراط في «الربيع» العربي. وتم الترويج لـ«حماس» كحركة مقاومة أصيلة لم يضرها ابتعادها عن النظام السوري واقترابها من تركيا ومصر وقطر. الهدف من ذلك خفض شعبية «حزب الله» في الشارع العربي، لأنه لم يجعل انتفاضات الشعوب من أولوياته!
إذاً، المقاومة في معركة المؤامرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق