بين المفاوضات المعطلة حتى وهي تعود إلى الانعقاد، والمصالحة المغدورة، يراوح الوضع الفلسطيني في ذات المكان الذي وقف عنده النظام السياسي الفلسطيني عاجزاً عن تطوير نفسه، أو على الأقل مساهماً في إيجاد الحلول المفترضة لأزمات الوضع الوطني الداخلية منها والخارجية. وها هي عناوين تأزم جديدة تضاف إلى القديمة، لا سيما في ظل الوضع المصري الناشئ عن عزل الرئيس محمد مرسي، وتداعيات هذا العزل، ليس على صعيد مصر وحدها أو في محيطها الإقليمي الأقرب (قطاع غزة)، أو على صعيد المحيط الإقليمي الأوسع، بل الوضع الدولي الذي تأثر وإن بمقدار بما يجري اليوم في مصر.
وإذ تضيف المفاوضات غير المشروطة المزيد من الشروخ إلى الموقف الوطني الفلسطيني غير الموحد أصلاً، فهي بالتأكيد سوف تؤدي إلى تعميق الانقسام، على رغم الجهود والاتفاقات الموقعة في القاهرة والدوحة، والتي بقيت معظم بنودها من دون تطبيق.
ولأنه لا يمكن الحديث بعد كل هذا عن مصالحة طرفي الانقسام وعودة التئام النظام السياسي الفلسطيني، فإن العودة إلى استئناف المفاوضات من دون شروط فلسطينية، ومن دون توافق فلسطيني كامل، تعيد إلى الأذهان تلك التجربة المرة التي اكتنفت الوصول إلى اتفاقية أوسلو، في ظل غياب مرجعية يعتد بها، ما سيضع إسرائيل في قمة محاولات فرض معادلة جديدة، وربما أصبحت متدخلاً مهماً في الوضع الداخلي الفلسطيني. وفي وقت بدأت مصر تبتعد عن تأثيرها المباشر في ظل انشغالها بملفاتها الداخلية، الأمر الذي يبعدها كذلك عن متابعة ملف المصالحة، عوضاً عن عدم تأثيرها في المفاوضات، لا كطرف متدخل ولا كطرف وسيط.
بالإضافة إلى تلك العقبات والمعوقات أمام التوصل إلى حلول ولو جزئية لبعض قضايا المفاوضات، هناك المواقف المتعارضة، بل المتناقضة داخل صفوف الحكومة الإسرائيلية، وقد أكدت التصريحات المتواترة خلال الأسابيع الأخيرة لوزراء كبار في الحكومة الإسرائيلية، أن هذه الحكومة ليست في وارد التعاطي بجدية، لا مع الجهود التي بذلها وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ولا مع موضوع المفاوضات التي بدأت، إنما بات بعضهم يعلن أن مصير كل هذا هو الفشل، وذلك جراء رفض إسرائيل فكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة، حتى بالشروط التي يضعها رئيس حكومتها بنيامين نتانياهو.
وتؤشر المواقف على ألسنة وزراء في الحكومة إلى أن ثمة غالبية داخلها ترفض فكرة «حل الدولتين» التي أعلن نتانياهو قبل أربع سنوات قبولها، من دون أن يخطو خطوة عملية واحدة نحو تطبيقها، ومن دون تضمين الخطوط العريضة لحكومته هذا الحل حيال معارضة «البيت اليهودي» وغالبية نواب حزب «ليكود بيتنا» لذلك.
ولقي هذا الموقف شبه تنصل من نتانياهو حين أعلن أنه ما زال يؤيد «حل الدولتين» على أساس «تسوية تاريخية، تشمل إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح وتعترف بيهودية إسرائيل، مع ترتيبات أمنية مشددة تضعها إسرائيل».
وحاول نائب وزير الخارجية زئيف ألكين تخفيف حدة هذه التصريحات بالقول إنها لا تعكس موقف نتانياهو «تماماً مثلما لا تعكس مواقف وزيرة العدل تسيبي ليفني موقف رئيس الحكومة». وندد وزير العلوم يعقوب بيري بالتصريحات واعتبر أنها «تمس بنسيج العلاقات الحساس وبمحاولات بناء الثقة بيننا وبين الفلسطينيين». وأضاف أنها تسيء إلى جهود السلام، وإقامة دولة فلسطينية هي مصلحة إسرائيلية وجودية. وفكرة حل الدولتين هي الحل الوحيد الذي يحول دون أن تصبح إسرائيل دولة ثنائية القومية تقضي على الصهيونية.
ومهما يكن من تباينات بين أعضاء الحكومة الإسرائيلية، والتي باتت أوضح من السابق، فإن مسألة المفاوضات وعلى رغم التراجعات الفلسطينية، والانقسامات التي تشهدها الجبهة الداخلية الإسرائيلية، كما الفلسطينية، وطالما هي محكومة بسقف محدد سلفاً من قبل إسرائيل، وإلى حد ما من الطرف الأميركي الوسيط، وعلى رغم الآمال الواسعة من قبل الطرف الفلسطيني المفاوض، فإنها لن تشهد اختراقات مهمة، بقدر ما سوف تشهد تكرارات واجترارات بلا معنى، قد تفقدها حوافز انعقادها مرة أخرى، لا سيما إذا ما أصاب الفشل كامل المفاوضات، لنجد في نهاية مطافها، أي بعد تسعة أشهر من حمل ومخاض كاذبين، أنها لم تولد سوى الفشل، ليس في ما يتعلق بالمفاوضات فحسب، بل في كل ما يتعلق بإدارة شؤون البيت الفلسطيني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق